لم يعد بمقدور الأردني تحمل المعيشة... خبير علم اجتماع يفجرها
قال خبير علم الاجتماع الأستاذ الدكتور حسين الخزاعي، إن المال بات يشكل اليوم جزءًا كبيرًا من حياة الناس وتفكيرهم وطريقة معيشتهم بكل تفاصيلها، معتبرًا أن الإنسان بلا مال "لا شيء"، كونه المحرك الأساسي لقدرته على الحركة والفعل، سواء على الصعيد الاقتصادي أو الاجتماعي أو النفسي.
وأوضح في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أن توفر المال الكافي يُعفي الإنسان من التفكير المستمر في كيفية الحصول عليه، في حين أن غيابه أو عدم كفايته لإشباع الحاجات الأساسية يفقد الفرد والأسرة والمجتمع الشعور بالأمن والطمأنينة والاستقرار، مشددًا على أن حديثه لا يتعلق بالرفاهية أو الغنى الفاحش أو الطبقات المخملية، وإنما بعامة الشعب والناس الذين يكدّون ويتعبون سعيًا وراء لقمة العيش.
53% من الأردنيين دخلهم أقل من 500 دينار
وكشف الخزاعي أن 53% من المشتركين الفعليين في الضمان الاجتماعي، والبالغ عددهم نحو مليون و600 ألف مشترك، يقل دخلهم عن 500 دينار شهريًا، ويُصنَّفون بذلك تحت خط الفقر، مضيفًا أن هناك شريحة أكثر تضررًا تتمثل في 28% من القوى العاملة الأردنية الذين يقل دخلهم عن 300 دينار، أي ضمن الحد الأدنى للأجور.
646 ألف مقترض من البنوك بقيمة 14 مليار دينار
وأشار إلى أن عدد الأردنيين الذين حصلوا على قروض من البنوك خلال العام الماضي بلغ 646 ألف شخص، إلى جانب نحو 200 ألف آخرين اقترضوا من مؤسسات مصرفية صغيرة، بإجمالي مديونية تُقدَّر بنحو 14 مليار دينار، موضحًا أن الفرد الذي يخصص ما نسبته 40% من دخله لسداد الأقساط الشهرية يعيش حالة اضطراب حتمية في إدارة موازنته، خصوصًا إذا كان متزوجًا ولديه أعباء إضافية.
استغناء قسري عن الكماليات... حتى الحلاقة صارت في المنزل
وأوضح الخزاعي أن نقص الدخل يدفع الأفراد نحو أربعة مسارات خطيرة، أولها اللجوء إلى الديون، وثانيها احتمال اللجوء إلى الجريمة، وثالثها الانعزال الاجتماعي وتجنب المناسبات، ورابعها ضعف التفاعل مع المحيط، لافتًا إلى أن كثيرًا من الأردنيين استغنوا فعليًا عن أشياء كانت تُعدّ من أساسيات الحياة الاجتماعية سابقًا، من قبيل تجديد بدلات الملابس الموسمية، حتى إن بعض الأسر باتت تعتمد على حلاقة الشعر داخل المنزل بدلًا من الصالونات، عادة استمرت منذ جائحة كورونا.
تراجع القروض الاجتماعية الصغيرة بين الأصدقاء والجيران
ولفت إلى ظاهرة اجتماعية طريفة ومؤلمة في آن واحد، تتمثل في تراجع ثقافة الاقتراض غير الرسمي بين الأصدقاء والجيران، والتي كانت تقتصر سابقًا على مبالغ رمزية تُسدد نهاية الشهر، موضحًا أن حتى هذا النمط من التكافل الاجتماعي البسيط بات نادرًا اليوم، وأن أي طلب استدانة صغير من معارف أو أقارب بات يُقابَل بسؤال مباشر عن الغرض منه، في مؤشر على ضيق الحال العام.
الطبقة الوسطى تتآكل.. وغياب دراسات رسمية عن الفقر منذ 2010
وأعرب الخزاعي عن استغرابه من غياب دراسات رسمية محدّثة حول واقع الفقر في الأردن، مستطردًا أن آخر دراسة متخصصة صدرت عام 2010، وأن آخر تقدير رسمي لحجم الطبقة الوسطى يعود إلى عام 2014 حين بلغت نسبتها 28%، معتبرًا أن المعطيات المتوفرة اليوم حول نسب الفقر، التي تتراوح بين 35% إلى نحو 4 ملايين فقير بحسب بعض التقارير، تأتي غالبًا من جهات ووكالات دولية خارجية دون تفاعل رسمي واضح من الحكومة معها.
تأجيل الزواج... والعمر عند الزواج يتجاوز الثلاثين
وربط الخزاعي بين تدني الدخل وتأخر سن الزواج في الأردن، مستشهدًا بمعدل العمر عند الزواج الذي بلغ 33 عامًا للذكور و28 عامًا للإناث في بعض المناطق، وما يصل إلى 31 و30 عامًا في مناطق أخرى، معتبرًا أن هذا التأخر غير صحي، وأن الشاب غير القادر على تأمين استقراره المالي لا يفكر أصلًا في مشروع الزواج، ولا يبدأ بالتخطيط للمستقبل إلا حين يتوفر لديه حد أدنى من الادخار يمنحه شعورًا بالأمان.
681 ألف متقاعد.. و9% منهم دخلهم أقل من 200 دينار
وكشف أن عدد المتقاعدين في الأردن، سواء من مؤسسة الضمان الاجتماعي أو من قطاع الخدمة المدنية سابقًا، بلغ حتى وقت قريب نحو 681 ألف متقاعد، مبينًا أن ما نسبته 9% منهم يقل دخلهم التقاعدي عن 200 دينار شهريًا، مناشدًا الحكومة ربط الحد الأدنى لراتب التقاعد بالحد الأدنى للأجور، بما يضمن للمتقاعدين الذين تجاوزوا سن الخامسة والخمسين عيشًا كريمًا لا يقل عن 290 دينارًا شهريًا على الأقل.
نحو 411 ألف حالة اضطراب نفسي مرتبطة بالمال
وقدّم الخزاعي حسابًا تقديريًا مبسطًا، مبنيًا على عدد المقترضين من البنوك، مفاده أن نصف هؤلاء المقترضين تقريبًا (نحو 823 ألف شخص) متزوجون، وبضرب هذا الرقم في متوسط حجم الأسرة، يصل العدد التقديري لمن يتأثرون نفسيًا بضغوط المديونية إلى نحو 411 ألف شخص في الأردن، معتبرًا أن هذا الرقم يعكس حجم الأثر النفسي الحقيقي المرتبط بالضائقة المالية على الأسر.
القلق والتوتر واضطرابات النوم.. أعراض نفسية مرتبطة بالمال
ونوّه إلى أن الضغوط المالية، من عدم القدرة على دفع الإيجار أو الفواتير أو تأمين احتياجات الأبناء الأساسية، تُترجم مباشرة إلى اضطرابات نفسية تشمل القلق والتوتر والغضب والانفعال العصبي واضطرابات النوم، والانشغال الدائم بالتفكير في كيفية سداد الديون والالتزامات الشهرية.
كما أقر الخزاعي بصعوبة تحقيق التوازن في ظل الدخل المتدني والقروض والفقر، ناصحًا بضرورة اغتنام لحظات بسيطة مع الأبناء، كالخروج إلى حديقة قريبة، والحرص على ألا تنعكس الضغوط الاقتصادية سلبًا على العلاقة الزوجية أو العاطفية مع الأبناء، داعيًا إلى محاولة تناسي الهموم قدر الإمكان حتى لا تنتقل هذه الأعباء إلى بقية أفراد الأسرة.







