استعدوا لرد إيراني سيربك المنطقة ويؤججها
قال الباحث في العلاقات الدولية والشأن الأمريكي الدكتور كمال الزغول، إن المواجهة العسكرية بين واشنطن وطهران دخلت، بعد نحو سبعة أيام من استئناف العمليات العسكرية، منحنى تصاعديًا واضحًا، موضحًا أن الطرفين يتبادلان الضربات بمنطق "خطوة مقابل خطوة"، حيث تستهدف إيران قواعد أميركية في المنطقة العربية، إلى جانب بنى تحتية داخل عدد من الدول العربية نفسها، وهو ما يضع الجميع أمام حالة توتر متصاعدة، خصوصًا بعد إعلان مقتل جنديين أميركيين وفقدان جندي ثالث خلال عملية عسكرية في الأردن.
وأوضح في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" أن مقتل عسكريين أميركيين يستدعي بشكل تلقائي ردًا يتناسب مع حجم الحدث، مرجّحًا أن يكون القرار النهائي بيد الرئيس الأميركي دونالد ترامب شخصيًا، كون القيادة المركزية الأميركية هي من أعلنت رسميًا عن سقوط القتلى، إلى جانب أن يكون الرد الأميركي المقبل أوسع نطاقًا من الضربات السابقة، وقد يشمل استهداف قيادات إيرانية أو مواقع لمنصات إطلاق الصواريخ، أو ضرب بنى تحتية مرتبطة بالقدرات الهجومية الإيرانية.
وبيّن الزغول أن التصعيد المتبادل، وإن كان قد يؤدي إلى خسائر إضافية، إلا أنه لا يعتقد بأن الأطراف ستنجرّ إلى حرب شاملة ما لم تتطور الأحداث الميدانية بشكل كبير، مشيرًا إلى أن الجيش الأميركي، كلما سقط له قتلى، يسعى دائمًا لاستعادة توازن الردع في منطقة الشرق الأوسط، ذلك أن الأهداف المحتملة تتخطى نطاق مضيق هرمز نفسه.
وأشار إلى أن واشنطن باتت تلوّح باستهداف مناطق مدنية ردًا على التصعيد الإيراني، في مقابل تهديدات إيرانية مماثلة باستهداف منشآت مدنية في دول الخليج الحليفة لواشنطن، مستطردًا أن المسار الدبلوماسي ما زال قائمًا نظريًا، إلا أن المسرح العملياتي للإدارة الأميركية لم يكتمل بعد بالشكل الذي يسمح بشن حرب واسعة أو الدخول البري، لافتًا إلى أن القرار الأميركي يبقى مرهونًا بتقارير دائرة الاستخبارات في البنتاغون.
وذكر الزغول أن الهدف السياسي لترامب منذ بداية هذه الجولة من التصعيد كان تجنب الدخول في حرب واسعة وطويلة الأمد، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات النصفية، مستطردًا أن هناك عاملًا إضافيًا يتمثل في مدى استعداد الحلفاء، وفي مقدمتهم حلف الناتو، لدعم أي توسع محتمل في العمليات، مستبعدًا انخراط الحلف في حرب مباشرة إلى جانب الولايات المتحدة، خصوصًا في ظل التوترات الأخيرة بين ترامب وعدد من الدول الأوروبية، معتبرًا أن غياب هذا الدعم الحلفائي يبقي احتمال الحرب الشاملة بعيدًا نسبيًا، وإن كان الرد الأميركي سيكون أوسع من السابق.
ورأى أن تصعيد المرشد الإيراني بتوسيع الحرب، ورسالته للداخل الإيراني بشأن الوحدة والتماسك، يشكلان مؤشرًا على أن مذكرة التفاهم القائمة سقطت فعليًا، ما لم يتدخل الوسطاء لإعادة إحياء المفاوضات، موضحًا أن تصريحات نجل المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، رغم ندرتها، تعكس على الأرجح موقف الدائرة العليا للحرس الثوري، وتمثل رسالة ردع موجهة للمعارضين في الداخل الإيراني، وتحضيرًا للرأي العام الإيراني لتقبل ضربات محتملة إضافية، خصوصًا بعد مقتل العسكريين الأميركيين.
وكشف الزغول عن صدور بيان من الدول الخليجية والعربية يدين محاولات فرض رسوم أو بدل خدمات على العبور في مضيق هرمز، فالمضيق دولي ويجب أن تسير فيه حركة الملاحة بسلاسة، معتبرًا أن هذا أول موقف عربي جماعي من هذا النوع تجاه المضيق، وهو ما قد يعني تطور الموقف العربي أكثر في الأيام المقبلة، مع انعكاسات دولية متوقعة من دول أوروبية والصين، خصوصًا أن نحو 20% من النفط العالمي يمر عبر هذا المضيق.
ودعا الدول العربية إلى ضرورة تنويع تحالفاتها ومصادر قوتها، وبناء قدراتها الدفاعية الذاتية، وتنويع استثماراتها وطرق تجارتها، معتبرًا أن ما وصفه بـ"خذلان" الولايات المتحدة للدول العربية، من خلال عدم ربط أمن إيران بأمن جيرانها ضمن مذكرة التفاهم السابقة، يستوجب من الدول العربية رسالة واضحة بأنها لن تبقى رهينة لطرف واحد.
وفي الشأن الإسرائيلي، رجّح الزغول أن تدخل إسرائيل في حال حدوث احتلال بري فقط، مستبعدًا دخولها المباشر طالما بقيت الضربات المتبادلة محدودة النطاق، خصوصًا في ظل نقص تعاني منه إسرائيل في صواريخ الدفاع الجوي والذخيرة، ذلك أن إسرائيل تواصل الضغط من خلف الكواليس لدفع واشنطن نحو حرب برية تُطيح بالنظام الإيراني، مستشهدًا بمزاعم استخباراتية إسرائيلية سابقة حول نية إيرانية لاستهداف الرئيس الأميركي، وهي المعلومة التي تلتها ضربات أميركية جديدة على إيران.
وكشف عن انقسام داخل الإدارة الأميركية حيال استمرار الحرب، مشيرًا إلى أن نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس رد على دعاة استمرار القصف غير المحدود لإيران، مطالبًا إياهم بتقديم بدائل واضحة وعدم زج الولايات المتحدة في حرب لا نهاية لها، معتبرًا أن هذا الانقسام يعكس جدلًا داخليًا حول جدوى العودة إلى طاولة المفاوضات بشأن الملف النووي.
كيف نتعامل مع إيران؟.. دعوة للحفاظ على "خط ساخن" دبلوماسي
وفي إجابته عن سؤال حول كيفية التعامل مع التهديدات الإيرانية المتزايدة، شدد الزغول على ضرورة الحفاظ على حركة دبلوماسية مستمرة وخط ساخن مع طهران عبر السفراء والسفارات، دون انقطاع الاتصال، معتبرًا أن أوراق الوسطاء الحقيقية تكمن في إقناع الإدارة الأميركية بأن هذه الحرب قد تطول على غرار تجارب فيتنام وأفغانستان والعراق، وأن كلفتها الاقتصادية على المنطقة والعالم ستكون باهظة.
وفيما يتعلق بأنباء عن لقاء مزعوم جمع مجتبى خامنئي بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، استبعد الزغول أن تتدخل روسيا عسكريًا للقتال نيابة عن إيران، موضحًا أن موسكو تكتفي تاريخيًا بتزويد إيران بالتقنيات الصاروخية، وتفضّل لعب دور دبلوماسي وسياسي في أي مواجهة بين واشنطن وطهران، سعيًا لتثبيت موقعها كفاعل رئيسي في مشهد الشرق الأوسط، خصوصًا في ظل انشغالها بالمواجهة المستمرة مع أوكرانيا.







