"عقلية الصومعة" التي تقيد مؤسساتنا... أين الحل؟
قال خبير الأمن السيبراني هاني البطش إن ما يُعرف بـ"عقلية الصومعة" تمثل أحد أكبر التحديات التي تواجه المؤسسات الحديثة، موضحًا أنها تتجلى في عمل كل قسم بمعزل عن الأقسام الأخرى، واحتفاظه بالمعلومات والخبرات ضمن حدوده التنظيمية الضيقة، وكأن نجاحه منفصل تمامًا عن نجاح المؤسسة ككل، مضيفًا أن آثار هذه العقلية تمتد لتطال الاقتصاد الوطني وجودة الخدمات المقدمة للمواطنين والعملاء على حد سواء.
وأوضح في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أن الخدمات باتت تعتمد بشكل أساسي على التكامل بين البيانات، والعمليات، والتقنيات، والموارد البشرية، مبينًا أن غياب الشراكة الفعلية بين الإدارات يُفرز سلسلة من المشكلات المتراكمة، من بينها تكرار الأعمال وإهدار الموارد، وبطء اتخاذ القرار، وتضارب الإجراءات والسياسات، إلى جانب انخفاض جودة الخدمات وتجربة المستفيد، وضعف الابتكار وصعوبة التحول الرقمي.
وبيّن البطش أن عقلية الصومعة تنعكس اقتصاديًا بشكل مباشر عبر انخفاض الإنتاجية وارتفاع تكلفة تقديم الخدمات، سواء في القطاع الحكومي أو الخاص، معتبرًا أنها تُشكّل أيضًا عائقًا حقيقيًا أمام جذب الاستثمارات، كون المستثمر يبحث دائمًا عن بيئة تتسم بسرعة الإنجاز وتكامل الإجراءات ووضوح تدفق المعلومات، كما أن انعزالية الجهات الحكومية عن بعضها تؤدي إلى تكرار المشاريع وضعف مشاركة البيانات وتأخير الخدمات، وهو ما يرفع الإنفاق العام ويقلل من كفاءة استخدام الموارد المتاحة.
ونوّه إلى أن الخدمات الحديثة لم تعد مسؤولية جهة واحدة بمفردها، موضحًا أن قطاعات الحكومة الرقمية، والرعاية الصحية، والخدمات المالية، والتعليم، والمدن الذكية، وحتى إدارة الكوارث، تعتمد جميعها على التعاون بين عدة جهات وتبادل البيانات بشكل آمن وفعّال، ضاربًا مثالًا بخدمة رقمية واحدة قد تتطلب تعاونًا بين عدة وزارات وهيئات في آن واحد، محذرًا من أنه إذا استمرت كل جهة بالعمل بمنطق الصومعة المنعزلة، فإن المواطن سيبقى يواجه إجراءات معقدة وتأخيرًا مستمرًا في إنجاز معاملاته.
واعتبر البطش أن الذكاء الاصطناعي يُعدّ من أهم الأدوات القادرة على تجاوز عقلية الصومعة، من خلال ربط مصادر البيانات المختلفة، وتوحيد الرؤية عبر لوحات معلومات مشتركة، ودعم اتخاذ القرار المؤسسي الجماعي بدلًا من القرارات المنعزلة، إلى جانب اكتشاف الترابط بين العمليات وتحسينها، وتعزيز التعاون بين الإدارات عبر الأتمتة الذكية، مشددًا في الوقت ذاته على أن نجاح الذكاء الاصطناعي يبدأ أساسًا من ثقافة مؤسسية تؤمن بأن البيانات أصل مشترك، وأن نجاح أي قسم هو جزء لا يتجزأ من نجاح المؤسسة بأكملها.
وخلص إلى أن السؤال الجوهري في عصر الاقتصاد الرقمي أصبح يتمحور حول مدى قدرة الإدارات المختلفة على العمل معًا بتناغم، مشيرًا إلى أن المؤسسات التي تنجح في هدم الصوامع التنظيمية، وبناء ثقافة التعاون، ومشاركة المعرفة والبيانات، ستكون الأكثر قدرة على الابتكار، والأسرع في تقديم الخدمات، والأعلى إنتاجية، والأكثر إسهامًا في نمو الاقتصاد الوطني، في حين أن المؤسسات التي تستمر في العمل بعقلية "الجزر المنعزلة"، ستجد نفسها عاجلًا أو آجلًا خارج دائرة المنافسة، مهما امتلكت من موارد أو تقنيات متقدمة.







