اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

ما هي خيارات الأردن لمواجهة أخطار القادمة؟

{title}
أخبار الأردن -

قال المحلل السياسي الدكتور رامي العياصرة إن المنطقة تعيش أزمات متتالية ومتداخلة تعكس حالة من التنافس الإقليمي الحاد، وتتقاطع في الوقت ذاته مع تدافع القوى الدولية، معتبرًا أن عنوان الأزمة الراهنة يتمثل في الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران وما تفرضه من تداعيات تتجاوز حدود المنطقة إلى إمدادات النفط والغاز والتجارة العالمية وأمن الممرات البحرية.

وأوضح في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أن هذه الأزمة تحمل أبعادًا سياسية واستراتيجية بالنسبة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، ولا سيما في أعقاب حرب غزة وما رافقها من تداعيات وجرائم وممارسات إسرائيلية، إلى جانب ما وصفه بالتوحش والتمدد الإسرائيلي في المنطقة.

وبيّن العياصرة أن الأردن يقع في قلب هذه الأزمات والتوترات، وأن كلفة هذه التطورات على المملكة كانت كبيرة وصعبة، موضحًا أن الأردن خرج من تداعيات حرب طاحنة في غزة، في وقت لم تنتهِ فيه الأزمة بصورة فعلية، إذ لا يزال القتل مستمرًا، ولا يوجد تقدم حقيقي في ملفات الإعمار والإغاثة وتوفير الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة لأهالي القطاع.

ولفت إلى أن التداعيات لم تتوقف عند قطاع غزة، فهي انتقلت، بحسب تقديره، إلى الضفة الغربية من خلال إجراءات إسرائيلية تصعيدية تستهدف الفلسطينيين، وما وصفه بمحاولات التهجير والضم، معتبرًا أن هذه التطورات تمس الأمن القومي الأردني بصورة مباشرة.

ونوّه العياصرة إلى أن ما جرى خلال حرب غزة وما تلاها من ممارسات إسرائيلية شكل ضغطًا كبيرًا على الأردن، مضيفًا أن التهديدات التي تحيط بالأمن الوطني الأردني لا تقتصر على الجانب الإسرائيلي، وإنما تشمل كذلك تداعيات الصواريخ الإيرانية التي استهدفت الأراضي الأردنية تحت عناوين مختلفة، من بينها الوجود الأميركي على الأراضي الأردنية.

وأضاف أن وجود الميليشيات الإيرانية في العراق يمثل بدوره مصدر ضغط على الأردن، مشيرًا إلى أن الأراضي الأردنية تعرضت، بحسب قوله، للاستهداف في أكثر من محطة.

العياصرة: التهديد الإسرائيلي هو الأخطر على الأردن

وقال العياصرة إن التهديد الأكبر الذي أشار إليه الملك في خطابه أمام الأمم المتحدة يتمثل في التهديد الإسرائيلي المباشر، خصوصًا فيما يتعلق بسياسة التهجير ومحاولات حسم القضية الفلسطينية على حساب الأردن.

وأضاف أن بعض أطراف اليمين الإسرائيلي المتطرف يطرحون، بحسب تعبيره، شعارات تتحدث تارة عن الأردن باعتباره "الوطن البديل"، وتارة أخرى عن أدوار أردنية في الضفة الغربية بعد القضاء على السلطة الفلسطينية وتقويضها بصورة كاملة.

وتابع العياصرة أن خطاب الملك جاء واضحًا في التأكيد أن الأردن ليس وطنًا بديلًا، وفي التحذير من التداعيات الخطيرة لأي مساس بالأمن الأردني، سواء من خلال التهجير أو من خلال الممارسات الإسرائيلية على الحدود الشمالية للمملكة.

وذكر أن هذا الخطر يرتبط كذلك بالتمدد الإسرائيلي في جبل الشيخ ومرتفعات الجولان والأراضي السورية، فضلًا عن ما وصفه بالعبث في المكون الدرزي على الحدود الشمالية، مضيفًا أن الأردن لا يريد أن يتعامل مع أي تطور يمكن أن يؤدي إلى نشوء حالة انفصالية على حدوده.

الأمن المائي والطاقي.. أوراق ضغط لا يستطيع الأردن تجاهلها

وفي السياق ذاته، أشار العياصرة إلى أن التهديدات التي تواجه الأردن تمتد إلى الأمن المائي والأمن الطاقي، معتبرًا أن الممارسات الإسرائيلية أثبتت خطورة ربط هذه الملفات الحيوية بإسرائيل.

وقال إن إسرائيل مارست، بحسب وصفه، حالة من الابتزاز فيما يتعلق بإمدادات الغاز، في ضوء اتفاقية الغاز المبرمة بين الجانبين، كما هددت مرارًا بقطع حصة الأردن من المياه التي ترتبط باتفاقية شراء من إسرائيل.

وأضاف العياصرة أن التحفظ والمعارضة على رهن الملفات الأساسية التي تمس الأمن المائي والطاقي بالأردن لا تعني فقط موقفًا سياسيًا، فهي تعكس، في رأيه، ضرورة امتلاك المملكة بدائل تحول دون خضوعها لأي ابتزاز إسرائيلي.

ونوّه إلى أن الأردن، وفق رؤيته، يجب أن يتخلص من هذه الحالة وألا يخضع للابتزاز الإسرائيلي مهما كان شكله أو مضمونه، خصوصًا إذا ارتبط الأمر بتمرير مخططات تستهدف تصفية القضية الفلسطينية على حساب الأردن.

أزمة مفتوحة.. وكلفة اقتصادية تتزايد

وفي قراءته لمسار الأحداث المقبلة، قال العياصرة إن مجمل التطورات الجارية تبدو صعبة ومأزومة، مشيرًا إلى أنه لا يمكن التكهن بصورة قاطعة بكيفية إدارة الجانب الأميركي للصراع في المنطقة مع إيران أو بالمسار الذي ستنتهي إليه المواجهة.

وأضاف أن احتمالات استمرار حالة "اللاحرب واللاسلم"، أو الوصول إلى اتفاق لإنهاء الحرب في إيران، تظل مطروحة، محذرًا من أن استمرار الأزمة بصور متقطعة ومتجددة سيبقي الأردن أمام كلفة اقتصادية متزايدة.

ونّوه إلى أن هذه التداعيات ستنعكس على أسعار الطاقة واستقرار أسعار البنزين والمحروقات، ومن ثم على الاقتصاد الأردني والداخل الشعبي، معتبرًا أن ملف الطاقة يمثل عصبًا مهمًا في قدرة الأردن على مواجهة التداعيات الإقليمية.

ولفت العياصرة إلى أن الموقع الجيوسياسي للأردن يجعله في قلب التوترات الإقليمية، وهو ما يفرض عليه أعباء وضغوطًا، لكنه في الوقت نفسه يمكن أن يتحول إلى مصدر فرص إذا جرى التعامل معه بصورة استراتيجية.

الجغرافيا الأردنية.. من عبء الأزمة إلى فرصة اقتصادية

وذكر أن الفرص يمكن أن تولد من رحم التحديات والصعوبات، مشيرًا إلى أن الجغرافيا الأردنية أصبحت مطلوبة في ما يتعلق بسلاسل الإمداد والتوريد وشبكات السكك الحديدية التي يمكن أن تربط الهند والخليج العربي والأردن وسوريا.

وأضاف أن هناك أيضًا محاولات لإيجاد بدائل دائمة لمضيقي هرمز وباب المندب فيما يتعلق بإمدادات الطاقة من الخليج إلى أوروبا، موضحًا أن الجغرافيا الأردنية يمكن أن تكون حاضرة في هذا المسار عبر مرور خطوط الإمداد من الأراضي الأردنية إلى سوريا وتركيا ومنها إلى أوروبا.

وأشار إلى أن الأردن استفاد خلال الأزمة السابقة من مضاعفة المناولة التجارية في رصيف خليج العقبة، والتي تضاعفت، بحسب التقارير الاقتصادية التي أشار إليها، ثلاث مرات.

ونبّه العياصرة إلى أن هذا الارتفاع قد لا يكون مستدامًا، باعتباره مرتبطًا بتصاعد الأزمة الحالية، مؤكدًا أن المطلوب هو التفكير في كيفية استثمار الموقع الجيوسياسي الأردني بصورة دائمة ومستدامة، بحيث تتحول المملكة إلى مركز للخدمات اللوجستية المتعلقة بالطاقة وسلاسل التوريد، بما يحقق مردودًا اقتصاديًا للدولة.

وأضاف أن هذه التحولات تشكل في الوقت نفسه تحديات وفرصًا، لكنها تحتاج إلى "عقول مفكرة وإرادة وترجمة" حكومية لهذه الإمكانات، بحيث تتحول الجغرافيا الأردنية إلى ميزة اقتصادية واستراتيجية للمملكة.

الأردن واعتياد السير في حقول الألغام

وقال العياصرة إن الأردن يمتلك خبرة في التعامل مع الأزمات المتكررة، مشيرًا إلى أن صانع القرار الأردني اعتاد المضي قدمًا في "حقول الألغام" والحفاظ على استمرارية الدولة رغم الأزمات المتلاحقة.

وأضاف أنه ليس من المتوقع أن تنتهي أزمات الإقليم بصورة نهائية، معتبرًا أن المطلوب هو التكيف الإيجابي معها، واستثمار الفرص التي تولدها، مع احتواء سلبياتها وتحدياتها إلى أقصى حد ممكن.

وقال إن التركيز يجب أن يبقى على التنمية والاقتصاد وتخفيف الأعباء عن المواطن الأردني، في ظل التداعيات الاقتصادية الكبيرة التي تنعكس على المملكة نتيجة التطورات الإقليمية.

العياصرة: أمام الأردن خيارات دبلوماسية وسياسية لمواجهة الخطر الإسرائيلي

وفيما يتعلق بخيارات الأردن في التعامل مع إسرائيل، قال العياصرة إن الخيارات الأردنية واضحة، مشيرًا إلى أهمية التلويح باتفاقية وادي عربة، مع عدم الركون إليها باعتبارها ضمانة مطلقة لعدم المساس بأمن الأردن واستقراره.

وأضاف أن الأردن يمتلك، كما ورد في خطاب الملك أمام الأمم المتحدة، أدوات أخرى يمكن استخدامها في حال عدم ارتداع الجانب الإسرائيلي، من بينها التأثير في المواقف الدولية تجاه الممارسات والجرائم الإسرائيلية، وهي مسألة أصبحت، بحسب قوله، مستقرة في الخطاب الدبلوماسي الأردني وتحركات وزير الخارجية.

وأشار إلى أن من بين الخيارات كذلك مسألة المحاسبة والعقوبات، معتبرًا أن إفلات إسرائيل من العقاب شجعها، وفق رؤيته، على التمادي في ممارساتها.

ولفت العيصارة إلى أن طرح الملك لمسألة مقاطعة إسرائيل وفرض عقوبات عليها، بسبب ما وصفه بعدم الامتثال للقرارات الدولية وميثاق الأمم المتحدة وتجاوز حقوق الإنسان وزعزعة أمن واستقرار دول الجوار، يمثل، بحسب تقديره، موقفًا متقدمًا في التعامل مع التهديدات التي تواجه المنطقة.

وذكر أن الخيارات المتاحة أمام الأردن ليست عسكرية بالضرورة، وإنما تشمل طيفًا واسعًا من الأدوات الدبلوماسية والسياسية التي يمكن العمل عليها.

"الأردن وحده لا يستطيع".. والحاجة إلى ترميم الأمن القومي العربي

وقال العياصرة إن الأردن، رغم امتلاكه لهذه الخيارات، لا يستطيع وحده مواجهة ما وصفه بالصلف الإسرائيلي، مؤكدًا أن الأمر يحتاج إلى عمل مشترك من الدول العربية مجتمعة.
وأضاف أن أمن الأردن يرتبط بأمن المنطقة وأمن الدول العربية، مشيرًا إلى أن المرحلة الماضية شهدت تراجعًا في منظومة الأمن القومي العربي، إلا أن التطورات الراهنة تفرض، بحسب رؤيته، إعادة ترميم هذه المنظومة وإدراك المصالح المشتركة بين الدول العربية.

وذكر أن مواجهة التمدد الإسرائيلي واستهداف أمن المنطقة، إلى جانب السلوك الإيراني الذي وصفه بأنه يزعزع أمن واستقرار المنطقة ويستهدف دول الخليج والأردن، تحتاج إلى مقاربة جماعية لا تتحرك فيها الدول بصورة منفردة.

وأشار إلى أن التحالفات الإقليمية باتت، في تقديره، عنصرًا أساسيًا في بناء حوائط صد أمام التهديدات، خصوصًا في ظل تراجع الدور الذي كانت تؤديه القوى العالمية في حماية بعض دول المنطقة.

ولفت إلى ما وصفه بالتحالف الثلاثي التركي السعودي الباكستاني، معتبرًا أن الأردن ومصر مهيآن للانضمام إلى هذا المسار، باعتباره، وفق رؤيته، حاجة ملحة لإعادة ترميم العلاقات بين الدول وتقويتها، بما يجعلها أكثر قدرة على الصمود أمام المتغيرات الكبرى التي تعصف بالمنطقة والعالم.

وخلص العياصرة إلى أن الأردن يقف أمام مرحلة إقليمية شديدة التعقيد، تتداخل فيها التهديدات الأمنية مع الملفات المائية والطاقية والاقتصادية، إلا أن هذه البيئة الصعبة لا تخلو من فرص يمكن استثمارها، مشيرًا إلى أن التحدي الحقيقي يتمثل في قدرة الدولة على تحويل موقعها الجيوسياسي من مصدر للضغط والكلفة إلى أداة للتنمية وتعزيز الاقتصاد، بالتوازي مع حماية الأمن الوطني واحتواء تداعيات الأزمات المتلاحقة.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية