هل التقطت دوائر القرار رسالة ولي العهد في سباق التكنولوجيا؟
قال خبير الأمن السيبراني وصفي الصفدي إن ملف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في الأردن تحول إلى أحد مرتكزات الأمن الاقتصادي والتنافسية الوطنية، مضيفًا أن الرؤية التي يقودها سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، وضعت هذا الملف في صدارة أولويات الدولة.
وأوضح في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أن توجيه جلالة الملك عبدالله الثاني بتشكيل المجلس الوطني لتكنولوجيا المستقبل وإسناد متابعة أعماله إلى سمو ولي العهد شكّل نقطة تحول في إدارة هذا القطاع، إذ انتقل من مرحلة التخطيط وإطلاق الاستراتيجيات إلى مرحلة المتابعة التنفيذية وقياس نسب الإنجاز، وهو ما منح مشاريع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي أولوية مؤسسية مطلقة.
وبيّن الصفدي أن اجتماعات المجلس الوطني لتكنولوجيا المستقبل ركزت على إزالة العقبات وتسريع تنفيذ المبادرات ذات الأثر المباشر على الاقتصاد الوطني والخدمات الحكومية، من خلال تعزيز التحول الرقمي، وإدارة البيانات، وتنمية المهارات الرقمية، إلى جانب التوسع في إدماج تطبيقات الذكاء الاصطناعي في التعليم والخدمات العامة، ومتابعة تنفيذ مشاريع استراتيجية مثل التوقيع الرقمي وتطوير تطبيق "سند".
ولفت إلى أن الأردن حقق خلال الفترة الماضية تقدمًا ملموسًا في مؤشرات التحول الرقمي، حيث بلغت نسبة رقمنة الخدمات الحكومية نحو 80%، فيما تجاوز عدد مستخدمي تطبيق "سند" 2.5 مليون مستخدم، وعدد الهويات الرقمية المفعلة 2.7 مليون، فضلًا عن تقدم المملكة في مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي، وتصنيفها ضمن الفئة (A) في مؤشر نضج الحكومة الرقمية الصادر عن البنك الدولي.
وأشار الصفدي إلى أن هذه النتائج جاءت ثمرة جهود حكومية تراكمية شاركت فيها مؤسسات عدة، إلا أنها تزامنت مع متابعة مباشرة من سمو ولي العهد، الأمر الذي أسهم في تسريع وتيرة الإنجاز، وتعزيز الاهتمام المؤسسي بملف التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي.
وذكر أن استجابة المؤسسات الرسمية لهذه الرؤية لم تكن متساوية، موضحاً أن بعض الجهات، وفي مقدمتها وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة، والبنك المركزي الأردني، وهيئة تنظيم قطاع الاتصالات، والمركز الوطني للأمن السيبراني، استطاعت مواكبة التحول من خلال تطوير البنية التحتية الرقمية، والعمل على الهوية الرقمية، والتوقيع الإلكتروني، والخدمات الحكومية الذكية.
في المقابل، أشار الصفدي إلى أن عددًا من المؤسسات لا يزال ينظر إلى التحول الرقمي باعتباره مشروعاً تقنيًا يقتصر على أتمتة الإجراءات، في حين أن التحول الحقيقي يقوم على إعادة تصميم الخدمات، وتطوير آليات صنع القرار بالاعتماد على البيانات والتقنيات الحديثة، وتبني الذكاء الاصطناعي كجزء من العمل المؤسسي.
ونبّه إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب تسريع تحديث التشريعات، وتعزيز الاستثمار في البحث العلمي، وربط الجامعات بقطاع التكنولوجيا، وتوسيع استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي في القطاعات الإنتاجية، باعتبارها عناصر أساسية للانتقال من مرحلة الرقمنة إلى بناء اقتصاد قائم على الابتكار.
وأضاف أن بيانات تقرير مرصد ريادة الأعمال العالمي (GEM 2024/2025) أظهرت ارتفاع النشاط الريادي المبكر في الأردن مقابل تراجع مؤشر الأعمال الراسخة، ما يعني أن التحدي لم يعد في إطلاق الشركات الناشئة، وإنما في تمكينها من النمو والاستدامة.
واستطرد الصفدي قائلًا إن معيار النجاح الحقيقي أصبح يقاس بمدى قدرة المؤسسات على تحويل تلك الرؤية إلى سياسات عملية، ومشروعات قابلة للتنفيذ، ونتائج ملموسة تنعكس على الاقتصاد والمجتمع، متسائلًا عما إذا كانت مؤسسات الدولة استطاعت بالفعل مواكبة الوتيرة التي يقود بها سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، ملف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي خلال العامين الماضيين.
وأشار إلى أن ما يميز هذه المرحلة هو أنها جاءت مختلفة عن مراحل سابقة شهدت إطلاق استراتيجيات ومبادرات لم تحظ بالمتابعة الكافية، مبينًا أن ملف التكنولوجيا اتسم هذه المرة بمتابعة تنفيذية متواصلة من خلال اجتماعات دورية للمجلس الوطني لتكنولوجيا المستقبل، لم تقتصر على مناقشة الخطط العامة، وإنما تناولت نسب الإنجاز، والعقبات، وأولويات المرحلة المقبلة، الأمر الذي يعكس انتقال إدارة هذا الملف من مرحلة التخطيط النظري إلى مرحلة التنفيذ العملي.
وأوضح الصفدي أن مخرجات اجتماعات المجلس أظهرت بوضوح أن الأولوية لم تكن إطلاق مشروعات جديدة بقدر ما كانت تسريع تنفيذ المبادرات ذات الأثر المباشر على الاقتصاد الوطني والخدمات الحكومية، بما يضمن تحقيق نتائج ملموسة خلال فترة زمنية محددة.
ولفت إلى أن هذا النهج يعكس انتقال الدولة من مرحلة الحديث عن أهمية التكنولوجيا إلى مرحلة متابعة تفاصيل التنفيذ وقياس الأداء، معتبرًا أن هذه المنهجية تمثل الفارق الحقيقي بين هذا الملف وغيره من المبادرات التي بقيت لسنوات حبيسة الوثائق والخطط دون أن تنعكس بصورة واضحة على الواقع.
وأشار الصفدي إلى أن الإنجازات لم تقتصر على المؤشرات المحلية، بل امتدت إلى التصنيفات الدولية، حيث صنف البنك الدولي الأردن ضمن الفئة (A) في مؤشر نضج الحكومة الرقمية، محققًا نسبة بلغت 91.4%، ليحتل المرتبة الحادية والعشرين عالميًا والرابعة عربيًا، وهو ما يعكس تطور البنية الرقمية للمملكة مقارنة بالعديد من الدول.
وأضاف أن الأردن سجل أيضًا تقدمًا في مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي الصادر عن مؤسسة Oxford Insights، إذ انتقل من المرتبة الخامسة والخمسين عالميًا عام 2023 إلى المرتبة التاسعة والأربعين خلال عام 2024، بما يعكس تحسن جاهزية المؤسسات الحكومية للتعامل مع تطبيقات الذكاء الاصطناعي والاستفادة منها في تطوير الخدمات العامة.
وبيّن الصفدي أن الشركات المدعومة من الصندوق الأردني للريادة استطاعت خلال الفترة الماضية استقطاب استثمارات خاصة تجاوزت 108 ملايين دولار، في وقت أظهرت فيه بيانات دائرة الإحصاءات العامة استمرار نمو قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، الأمر الذي يعكس اتساع مساهمة الاقتصاد الرقمي في النشاط الاقتصادي الوطني، ويؤكد أن الاستثمار في التكنولوجيا بات يشكل أحد محركات النمو الاقتصادي في المملكة.






