كيف يواجه الأردن شهية إيران وإسرائيل تجاهه؟... الماضي يجيب
قال أستاذ العلوم السياسية الدكتور بدر الماضي إن المنطقة تمر اليوم بحالة عميقة من اللايقين الاستراتيجي، في ظل أزمة عميقة تضرب بنية العلاقات الدولية المرتبطة بالشرق الأوسط، مشيرًا إلى أن المشهد الإقليمي بات مفتوحًا على احتمالات متعددة، في وقت لا تملك فيه دول المنطقة، ولا حتى القوى الدولية الكبرى، تصورًا حاسمًا لمآلات الأوضاع السياسية والأمنية والاقتصادية.
وأوضح في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أن المشهد الإقليمي تحكمه اليوم بدرجة كبيرة فاعلية المشروعين الإيراني والإسرائيلي، باعتبارهما الطرفين الأكثر تأثيرًا في رسم اتجاهات الصراع وإعادة تشكيل موازين القوى، ما يجعل المنطقة في مرحلة شديدة الحساسية والخطورة، تتسم بتراجع وضوح الرؤية وغياب الاستقرار.
وفي هذا السياق، أكد الماضي إدراك الأردن الدقيق لحجم التحولات والمخاطر المحيطة به، ولذلك يعمل على ترتيب أولوياته السياسية والاستراتيجية بما ينسجم مع حالة السيولة الإقليمية، مع الحفاظ على شراكاته التقليدية مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، بوصفهما من أبرز الفاعلين في رسم الترتيبات المقبلة للمنطقة، إلى جانب اتباع سياسة تنويع العلاقات الدولية مع قوى كبرى مثل روسيا والصين، والانفتاح على أمريكا اللاتينية والدول الإفريقية.
ونوّه إلى أن هذه المقاربة منحت الأردن ميزة سياسية واضحة مقارنة بدول أخرى في الإقليم، إذ بات يُنظر إليه باعتباره اللاعب العقلاني والمتزن الذي لا تنجر سياساته وراء الانفعالات أو التحولات الطارئة، بل يستند إلى قراءة هادئة وعميقة لحالة عدم اليقين التي تضرب المنطقة.
ولفت الماضي إلى أن الأردن لا يكتفي بمتابعة التطورات، فهو يسعى أيضًا إلى تصدير روايته السياسية إلى العواصم الفاعلة، خاصة في أوروبا والولايات المتحدة، موضحًا حقيقة ما يجري في المنطقة، وخصوصًا ما يتعلق بالسلوك الإسرائيلي وسياسات حكومة اليمين المتطرف، وما تحمله من تهديدات تتجاوز فلسطين لتطال مجمل الإقليم.
واستطرد قائلًا إن عمّان تتحرك كذلك على مستوى تعزيز علاقاتها العربية والإقليمية، باعتبار أن هذه العلاقات تشكل أحد مصادر الأمان السياسي والاقتصادي والأمني للدولة الأردنية، لافتًا إلى أهمية تطوير التعاون مع سوريا ضمن أطر يمكن أن تمتد لاحقًا إلى الخليج العربي، ولا سيما السعودية، وكذلك إلى تركيا، بما يخدم رؤية إقليمية أكثر توازنًا واستقرارًا.
وفي قراءته للمشهد العربي، رأى الماضي أن أحد التحديات الكبرى يتمثل في غياب الفاعلية لدى بعض الدول العربية المحورية، رغم ما تملكه من ثقل سكاني وعسكري وسياسي، معتبرًا أن ضعف البنية الداخلية في بعض هذه الدول أفسح المجال أمام كل من إسرائيل وإيران لتوسيع نفوذهما في المنطقة، من دون وجود ردع عربي فاعل للمشاريع التوسعية والتقسيمية.
وتابع أن الأردن يركز بشكل واضح على تعزيز روابطه وتحالفاته الإقليمية، لكن ما يثير القلق الحقيقي في مقاربته الاستراتيجية ليس فقط وجود إسرائيل بحد ذاته، وإنما ما يحمله المشروع الإسرائيلي الراهن من أطماع ومخططات توسعية تهدد أكثر من دولة عربية، مستفيدًا من حالة الفوضى وعدم الاستقرار السائدة في المنطقة.
وقال الماضي إن إسرائيل تنظر إلى استمرار الاضطراب الإقليمي بوصفه فرصة استراتيجية لتحقيق أهدافها التوسعية، معتبرة أن تفكك الإقليم وانشغال دوله بأزماتها الداخلية يمنحها هامشًا أوسع للحركة وفرض الوقائع السياسية والأمنية.
وفي المقابل، نبّه الماضي إلى تكبد إسرائيل خسارة كبيرة في صورتها داخل الغرب منذ السابع من أكتوبر، بعد أن تراجعت الرواية التي طالما قدمتها لنفسها كـ"دولة ديمقراطية ملتزمة بالقانون الدولي وحقوق الإنسان"، مضيفًا أن هذه اللحظة تفتح المجال أمام بناء رواية عربية جديدة يجب استثمارها سياسيًا وإعلاميًا في أوروبا والولايات المتحدة لزيادة الضغط على إسرائيل وكبح سياساتها.
وشدد على أن الأردن، رغم جهوده السياسية والدبلوماسية، لا يستطيع وحده تحمل عبء مواجهة هذا التحول، ما يستدعي دورًا أكثر فاعلية من الدول العربية المحورية، وفي مقدمتها مصر والسعودية، من أجل صياغة موقف عربي متماسك قادر على ممارسة ضغط حقيقي على إسرائيل ووقف اندفاعها نحو مزيد من التصعيد والتوسع في المنطقة.







