كيف أعاد كأس العالم تشكيل الروح الوطنية في الأردن؟
قال استشاري الطب النفسي الدكتور وليد السرحان إن بطولة كأس العالم لكرة القدم تحولت إلى حدث عالمي تتقاطع فيه الرياضة مع الهوية والثقافة والانتماء الوطني، مضيفًا أن مشاركة المنتخب الأردني للمرة الأولى في البطولة منحت الحدث بعدًا وطنيًا استثنائيًا تجاوز الإطار الرياضي التقليدي.
وأوضح في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أن مباريات المنتخب الوطني "النشامى" أصبحت مناسبة وطنية جامعة ينتظرها الأردنيون داخل المملكة وخارجها بشغف واعتزاز، مشيرًا إلى أن وصول المنتخب إلى كأس العالم لا يمثل إنجازاً يخص اللاعبين والجهاز الفني فقط، وإنما يجسد قصة وطن استطاع، رغم محدودية الإمكانات وصعوبة المنافسة، أن يثبت حضوره على أكبر مسرح رياضي في العالم.
وبيّن سرحان أن المواطن الأردني شعر بأن هذا الإنجاز يمثله شخصياً، وأن العلم الأردني الذي يرفرف في الملاعب العالمية يحمل معه أحلام الأردنيين وهويتهم وصورتهم أمام المجتمع الدولي، وهو ما عزز الشعور بالفخر والانتماء لدى مختلف فئات المجتمع.
ولفت إلى أن مباريات المنتخب الوطني تمتلك قدرة استثنائية على توحيد المجتمع، فعلى الرغم من اختلاف الآراء والاهتمامات والانتماءات في الحياة اليومية، إلا أن مباراة واحدة للنشامى جمعت الأردنيين حول هدف واحد، حيث اجتمع المواطنون في البيوت، والمقاهي، والساحات العامة، ويرتدون الألوان نفسها، مع ترديد الهتافات ذاتها، ويشعرون بأنهم جزء من جماعة وطنية واحدة.
وأضاف سرحان أن هذه الحالة تحمل أبعادًا نفسية مهمة، إذ تمنح الفرد إحساسًا بأنه ينتمي إلى كيان أكبر من ذاته، مبينًا أن المشجع لا يرى في أرض الملعب أحد عشر لاعبًا فقط، وإنما يرى وطنه ممثلاً أمام العالم، ولذلك تتحول لحظات تسجيل الأهداف إلى فرحة جماعية يتشاركها الجميع، كما يتحول الحزن عند الخسارة إلى شعور جماعي يخففه التضامن والدعم المتبادل بين أفراد المجتمع.
وذكر أن هذه المشاركة الوجدانية المشتركة تعزز ما يعرف في علم النفس الاجتماعي بالتماسك الاجتماعي، وهو الشعور بأن ما يجمع أفراد المجتمع أكبر بكثير مما يفرقهم، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على الروابط الوطنية ويعزز الإحساس بالهوية المشتركة.
ونوّه سرحان إلى أن مشاركة المنتخب في كأس العالم تحمل أيضًا رسالة مهمة إلى الشباب الأردني، مفادها أن الطموح يمكن أن يتحول إلى إنجاز حقيقي عندما يقترن بالتخطيط والانضباط والعمل الجماعي والإصرار، متابعًا أن المنتخب الوطني لم يصل إلى هذه البطولة إلا نتيجة سنوات طويلة من التدريب والعمل المتواصل وتجاوز الإخفاقات السابقة.
وذكر أن الشباب بحاجة دائمة إلى نماذج نجاح قريبة من واقعهم وبيئتهم الاجتماعية، حتى يدركوا أن التفوق ليس حكرًا على الدول الكبرى أو الأكثر ثراءً، وإنما يمكن تحقيقه بالإرادة والعمل، مبينًا أن الطفل الأردني عندما يشاهد لاعبي المنتخب وهم ينافسون كبار نجوم العالم يبدأ بالإيمان بأن أحلامه الشخصية في الرياضة أو التعليم أو العمل أو الإبداع قابلة للتحقيق.
وأشار سرحان إلى أن كرة القدم في هذه الحالة تتحول إلى وسيلة تربوية تتجاوز حدود المنافسة الرياضية، إذ تغرس لدى الشباب قيم المثابرة، واحترام العمل الجماعي، وتحمل المسؤولية، والقدرة على النهوض بعد التعثر أو الخسارة، وهي قيم يحتاجها المجتمع في مختلف المجالات.
وقال إن كأس العالم يمثل أيضًا نافذة عالمية للتعريف بالأردن، ذلك أن البطولة تقدم الشعوب والثقافات والدول أمام مئات الملايين من المشاهدين حول العالم، لافتًا إلى أن ظهور المنتخب الأردني في البطولة يرافقه حضور اسم الأردن، وعلمه، وجماهيره، وملامح هويته الوطنية، بما في ذلك الشماغ الأردني، والأغاني الوطنية، وأجواء الفرح والضيافة التي تميز المجتمع الأردني.
وأضاف سرحان أن هذه المشاركة تسهم في تعزيز الصورة الإيجابية للأردن باعتباره دولة تمتلك طاقات بشرية شابة، وثقافة غنية، وشعبًا محبًا للرياضة والسلام، كما تمنح الأردنيين المقيمين في الخارج فرصة للتعبير عن ارتباطهم بوطنهم، وتعريف أبنائهم وأصدقائهم بهويتهم الوطنية وثقافتهم، الأمر الذي يجعل الروح الوطنية تمتد إلى ما هو أبعد من الحدود الجغرافية.
وشدد على أهمية ألا ترتبط الروح الوطنية بنتائج المباريات فقط، إذ إن الانتماء الحقيقي يظهر أيضًا في أوقات الخسارة، من خلال احترام اللاعبين وتقدير الجهود التي بذلوها، والابتعاد عن الإساءة أو التجريح، لأن اللاعب الذي يمثل وطنه أمام ملايين المشاهدين يحتاج إلى الدعم النفسي أكثر من تحميله مسؤولية مشاعر المجتمع بأكمله.
وأضاف سرحان أن من الضروري التمييز بين الوطنية الإيجابية والتعصب الرياضي، فالوطنية الحقيقية تقوم على الاعتزاز بالوطن مع احترام المنافسين، بينما يؤدي التعصب إلى نشر الكراهية والإساءة وتحويل الرياضة من مساحة للتقارب بين الشعوب إلى مصدر للخلاف والانقسام.
وأشار إلى أن أجمل رسالة يمكن أن يقدمها الجمهور الأردني تتمثل في التشجيع الحضاري، وقبول النتائج بروح رياضية، والاستمرار في الوقوف خلف المنتخب في جميع الظروف، سواء حقق الفوز أو التعادل أو تعرض للخسارة.
ونبّه سرحان إلى أن الأثر الحقيقي لمشاركة الأردن في كأس العالم ينبغي ألا يتوقف بانتهاء البطولة، إذ يجب استثمار حالة الحماس الشعبي في تطوير الرياضة الوطنية، من خلال دعم الرياضة المدرسية، وتطوير الأندية والملاعب، واكتشاف المواهب في مختلف المحافظات، والاهتمام بالصحة النفسية والبدنية للرياضيين، إضافة إلى توفير فرص أوسع للشباب والفتيات للمشاركة في الأنشطة الرياضية بصورة منتظمة.
وأضاف أن الإنجاز الحقيقي لا يتمثل في الوصول إلى بطولة واحدة، وإنما في بناء منظومة رياضية مستدامة قادرة على إنتاج أجيال جديدة من اللاعبين، وجعل النجاح الرياضي جزءًا من مشروع وطني يعزز الصحة والانضباط والعمل الجماعي، ويسهم في إبعاد الشباب عن الفراغ والسلوكيات السلبية.
وخلص السرحان إلى أن مباريات المنتخب الوطني جعلت الأردن يبدو وكأنه بيت واحد كبير، إذ تتوقف الانشغالات اليومية لبعض الوقت وتتجه الأنظار نحو الملعب، بينما يتحول اللاعبون إلى ممثلين لآمال شعب بأكمله، موضحًا أن نتيجة المباراة، سواء كانت فوزًا أو تعادلًا أو خسارة، تبقى أقل أهمية من القيمة الوطنية والإنسانية التي يشعر بها الأردنيون عندما يجتمعون خلف علمهم ومنتخبهم، موضحًا أن مشاركة "النشامى" في كأس العالم فرصة لتعزيز الثقة بالنفس، وتجديد الانتماء، وترسيخ قناعة بأن الروح الوطنية تنمو عندما يجتمع الناس حول الأمل والعمل والاحترام، وأنه حين يرتدي المنتخب قميصه، فإن من يقف خلفه ليس أحد عشر لاعباً فقط، بل وطن بأكمله.







