ملكاوي يكتب: الهوية.. من رغبة الانتماء إلى الإقصاء
موفق ملكاوي
لا يمكن للإنسان أن يعيش عاريا من ذاكرة أو لغة أو تاريخ أو جماعة يتشكل داخلها ويراها امتدادا له، لكن المشكلة تبدأ حين تتحول الهوية من فضاء للتعارف إلى قلعة مغلقة، أو مرآة ترى الذات فيها متفوقة، والآخر ناقصا أو دخيلا أو خطرا.
هذا الأمر يطرحه الناقد العراقي د. عبد الله إبراهيم في التنظير لمخاطر «التمركز حول الذات»، وتفكيك كثير من أعطاب الوعي الثقافي العربي، تماما كما في المركزيات الكبرى التي أنتجها الغرب الحديث، أو أنتجتها القوميات والطوائف والجماعات المغلقة في كل مكان.
التمركز يتعدى الاعتزاز الطبيعي بالذات والدفاع المشروع عن الخصوصية الثقافية، ليتحول إلى نمط من التفكير الذي ينغلق على نفسه، ويجعل من الذات معيارا أعلى للحقيقة، ومن تجربتها الخاصة قانونا عاما لفهم العالم، فتبدأ بالبحث عما يؤكد تفوقها، وتسخر الوقائع والنصوص والتاريخ والمعرفة من أجل تثبيت صورة مسبقة عن نفسها بوصفها الأصل والمركز والنموذج.
وفي الوقت الذي تقوم فيه المعرفة على القلق والسؤال والمراجعة، يقوم التمركز على اليقين المغلق بوهم الاكتمال، ما يجعله مرضا معرفيا أكثر منه موقفا سياسيا أو اجتماعيا، ليفتح الباب أمام خراب تشويه صورة الآخر، واختراع سرديات التفوق، وتقديس الماضي، واحتكار الحقيقة، ثم تحويل الاختلاف من فرصة للحوار إلى مبرر للإلغاء.
في كتابه «الاستشراق»، قدم إدوارد سعيد واحدا من أشهر الأمثلة على هذا النمط من التفكير، حين بين كيف أن الشرق، في كثير من الكتابات الاستشراقية الغربية، لم يكن موضوعا بريئا للمعرفة، وإنما صورة مصنعة تخدم حاجة الغرب إلى تعريف نفسه بوصفه أساس العقلانية والحداثة والتقدم، في مقابل شرق تسوده العاطفة والسكونية والغموض والاستبداد والعجز عن إدارة ذاته. الآخر الشرقي بهذا المفهوم لم يكن موجودا، ولكن المركزية الغربية احتاجت أن تتخيله. وهذا قريب جدا من مقولة عبد الله إبراهيم إن التمركز يحتاج دائما تعظيم الذات واختراع آخر أدنى، لأن التفوق لا يكتمل إلا بالمقارنة واختراع النقيض.
قيمة عبد الله إبراهيم تكمن في أنه لا يجعل الغرب وحده مركز الشر، فهو يدرك أن التمركز قابل للتوالد في كل ثقافة حين تعتقد أنها تمتلك الحقيقة المطلقة. ولذلك يمكن أن نجد أشكالا متعددة من المركزيات؛ الدينية والقومية والطائفية واللغوية والقبلية والجهوية، وغيرها، فالمرض واحد، حتى لو اختلفت الأعراض الظاهرة.
في العالم العربي والإسلامي، تظهر هذه الفكرة بوضوح حين تتحول الهوية الدينية، مثلا، إلى أداة للفرز بين «الناجين» و»الضالين»، فيصبح الاختلاف في الفهم أو التأويل تهديدا وجوديا. «المذهبية» تحرص على احتكار الحقيقة، ما يؤدي إلى شيوع لغة التكفير والتخوين كنتيجة طبيعية لعقل متمركز يرى أن الاعتراف بالآخر يهدد شرعيته الذاتية.
محمد أركون، كذلك، نبه في مشروعه النقدي إلى خطورة «السياج الدوغمائي المغلق» الذي يحاصر الفكر الديني حين يتحول التراث من مجال مفتوح للفهم إلى سلطة نهائية تمنع السؤال. ومثله نصر حامد أبو زيد الذي عمل على تحرير النص من احتكار القراءة الواحدة. في هذا السياق، تبدو مقولة عبد الله إبراهيم عن التمركز امتدادا لنقد أوسع للعقل الذي لا يريد أن يرى تعدد المعنى، لأنه يخاف أن يفقد سلطته إذا اعترف بأن الحقيقة لا يمكن امتلاكها كاملة من طرف واحد.
تمركز آخر حملته القومية العربية، ففي في لحظات كثيرة شكلت معنى تحرريا مهما، خصوصا في مواجهة الاستعمار والتجزئة، لكنها حين تحولت عند بعض الخطابات إلى هوية وحيدة ونهائية، بدأت تهمش الهويات الفرعية داخل المجال العربي نفسه، رغم أنها مكونات ساهمت بصناعة التاريخ العربي والإسلامي ولم تكن طارئة عليه.
وبدلا من أن تكون العروبة رابطة ثقافية مرنة، فإنها تتحول إلى معيار للشرعية، وتبدأ في إنتاج آخر داخلي لا يقل خطورة عن الآخر الخارجي. أمين معلوف، أشار إلى هذا الأمر بعمق إنساني واضح، حين تحدث عن «الهويات القاتلة»، وأنه لا يمكن اختصار الإنسان بهوية واحدة صافية، وإنما طبقات متعددة تتحدد باللغة والدين والمدينة والعائلة والمهنة والذاكرة والتجربة والثقافة والاختيارات الشخصية. لكن الخطر يبدأ حين تختزل الجماعة الإنسان في عنصر واحد، ثم تطلب منه أن يخوض العالم من خلاله وحده.
ومن أكثر أشكال التمركز رسوخا في الواقع العربي، التمركز القبلي والجهوي. وهو لا يظهر دائما في صورة صراع معلن، وإنما يتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية في التفضيلات التي نختارها، مثل الزواج والانتخاب والتعيين وتقييم الكفاءة، وحتى في الأحكام الأخلاقية المسبقة. هذا النوع من التمركز خطير لأنه يتخفى تحت اسم الوفاء والانتماء، بينما هو في العمق يعطل فكرة المواطنة، ويجعل الدولة الحديثة عاجزة عن بناء معيار عادل يقوم على الكفاءة والقانون.







