عايش يكتب: لماذا الفلسطينيون؟
حسني عايش
وهو السؤال نفسه الذي كان يطرحه اليهود في الماضي أثناء فترة الاضطهاد الطويلة في أوروبا 1933-1945، لدرجة صدور كتاب بهذا العنوان: Why The Jews؟. لعله لا توجد في العالم المعاصر محنة مستدامة بعد محنة الهنود الحمر مثل محنة فلسطين أو الشعب الفلسطيني، التي بدأت بوعد بلفور ثم بالنكبة سنة 1948-1949، عندما هزمت العصابات الصهيونية الجيوش العربية التي دخلت فلسطين لوقايتها من الضياع، فضيّعت نحو ثلاثة أرباعها وتشرّد معظم شعبها في الداخل والخارج في مخيمات بائسة إلى اليوم. ومع أن يهود تلك العصابات لم يكونوا يملكون آنذاك سوى أقل من سبعة في المائة من أرض فلسطين، معظمها أراضٍ أميرية، أراضٍ باعها إقطاعيون لبنانيون وسوريون من مخلفات الحكم العثماني لهم.
كما تعمقت المحنة بالكارثة الثالثة التي حدثت سنة 1967، عندما تمكنت إسرائيل بمباغتة جيوش عربية وهزيمتها في سويعات، وتضييع بقية فلسطين -القدس والضفة الغربية وقطاع غزة- والجولان.
ومع هذا، وعلى الرغم منه، تتخلى جملة من الدول العربية عن فلسطين، فيتفرج بعضها على شعبها يُباد بالجملة في قطاع غزة وبالمفرق في القدس والضفة الغربية.
لم يحدث في التاريخ الحديث، أي بعد إبادة الهنود الحمر، أن تمكن غزاة قدموا من وراء البحار من اغتصاب وطن كامل من شعبه في وضح النهار، وطرده منه ثم ملاحقته بالإبادة الجماعية، والعالم أو المجتمع الدولي لا يعنيه ذلك. فما الذي ارتكبه الشعب الفلسطيني من جرائم تاريخية ضد اليهود، أو ضد الغرب، أو ضد العالم كي يستمتع هؤلاء بانتزاع وطنه منه، وبإبادتهم الجماعية البيولوجية والمكانية؟ لماذا ينجو المجرم وتُعاقب الضحية؟
ها هي ألمانيا تتطهر من الهولوكوست إلى درجة التهود، ومن ذلك اعتبار كل من يصف الدولة الفلسطينية بأنها «من البحر إلى النهر» لا-سامياً، وكل من يصف إسرائيل بقاتلة الأطفال لا-سامياً ويساءل قانونياً.
لقد وصل أمر التطهر من الهولوكوست في ألمانيا درجة الوسواس أو الهوس. ومن ذلك أن الشرطة الألمانية عندما رأت علماً فلسطينياً يرف من شباك شقة في الطابق الثالث من عمارة، هرعت كالمجانين إليها. وقد دقت بعنف على الباب، فخرج إليها ساكن الشقة مستفسراً ومستغرباً، فقالوا له: اسحب العلم من الشباك. فرفض وأغلق الباب، وإذا بهم يعودون ومعهم رافعة سحبوه بها.
**
لا تجرؤ أي حكومة إسرائيلية على منع المستوطنين/ اليهود وأي يهودي من زيارة المسجد الأقصى أو استباحته بالطقوس اليهودية، حتى ومن العبث فيه على طريق تدميره لأنه قائم على مكان الهيكل كما يدعون. ولما كان الصراع الفلسطيني الإسرائيلي مستمراً، فإن الشرطة الإسرائيلية تخشى في كل مرة تعرض المستوطنين لهجوم، فترافقهم دائماً لتحميهم.
**
يبدو أن استمرار اليهود في استباحة المسجد الأقصى مقصود، وهو جعل الاستباحة مألوفة عند المسلمين لدرجة تراجعها إلى هامش الشعور ثم إلى اللاشعور عندما يتم هدمه.
لعل حشود المصلين الفلسطينيين على أداء الصلاة في الأقصى كل يوم جمعة، هو أحد أشكال المقاومة السلمية لهذا العدوان الإسرائيلي الدائم على المسجد. وقد جربت إسرائيل إغلاقه لبضعة أسابيع فلم تشهد احتجاجاً عربياً أو إسلامياً يُذكر عليه، مما يجعلها تعد العدة لهدمه في لحظة تفاجئنا. وفي أثناء هذا وذاك تقوم إسرائيل بتهويد القدس، وسيظل الأردن وحده منشغلاً ومشغولاً بهذا الموضوع ملكا وحكومة وشعباً، بينما يختبئ بقية العرب والمسلمين من ورائه لإراحة أنفسهم من المشاركة في المسؤولية في الدفاع عنه.
راجع كتابي «أميركا الإسرائيلية وإسرائيل الأميركية» لمزيد من الاطلاع على خلاصة هذا الكتاب: لماذا اليهود؟







