خطاطبة يكتب: زراعة أكثر كفاءة ضرورة اقتصادية
محمود خطاطبة
ربما لا نُعاني في الأردن من قصور في الإنتاج الزراعي بمقدار تدني العائد منه، مع الإقرار طبعًا بأن القطاع يُعاني من مشاكل كثيرة ومُركبة وأحيانًا بنيوية، خلفت تراجعًا منذ عدة سنوات، ودفعت بعديد المُزارعين إلى مهن وحرف أُخرى جراء الخسائر المالية التي لحقت بهم على مدى مواسم مُتتالية.
لكن ما سأعرّج عليه بأن المُفارقة تكمن في الاتجاه المُعاكس تمامًا في وفرة المواسم ذاتها، وفي غياب البنية الاقتصادية القادرة على تحويل هذا الفائض إلى قيمة مُستدامة.
ففي مواسم كثيرة ينجح المزارع في الزراعة، لكنه يخسر عند البيع، إذ تتراجع الأسعار تحت ضغط وفرة المعروض، فيما يبقى المُزارع الحلقة الأكثر هشاشة في مُعادلة لا تحكمها كُلفة الجهد، بقدر ما تتحكم بها قُدرة السوق على الاستيعاب والتصنيع والتخزين.. وهذه المُفارقة تتكرر عامًا بعد آخر، على الرغم من أن الأردن يمتلك خبرة زراعية طويلة، وقطاعًا كان لعقود جُزءًا أساسيًا من اقتصاده وأمنه الغذائي.
التحدي اليوم، ليس مُرتبطا فقط بزيادة الإنتاج، بل بقُدرة هذا القطاع على الانتقال من نمط تقليدي يعتمد على بيع المُنتج الخام، إلى نموذج أكثر كفاءة واستدامة يقوم على التصنيع الزراعي وإدارة سلاسل القيمة وتعظيم العائد الاقتصادي من كُل محصول.
وربما لنا في تجربة كُل من سورية ومصر وتركيا والسعودية خير مثال، وقد تكون هذه الدول نموذجًا يُحتذى به، إذ تتحول وفرة المواسم إلى فُرصة اقتصادية حقيقية، فالفائض الزراعي لا يُنظر إليه باعتباره عبئًا على السوق، بل مادة أولية لصناعات مُتكاملة يجري تحويلها إلى مُنتجات ذات قيمة مُضافة أعلى وأكثر استقرارًا من المُربيات إلى العصائر وصولًا إلى تقنيات التجفيف والتبريد.
في الأردن ما يزال جُزء كبير من الإنتاج يستهلك أو يسوّق بصورته الطازجة، دون استثمار كاف في الصناعات المُرتبطة به.. وهُنا تحديدًا تظهر الفجوة الأساسية، فالمُشكلة ليست دائمًا في الزراعة نفسها بل فيما يأتي بعدها، إذ إن القيمة الاقتصادية الحقيقية للمحاصيل لا تتوقف عند الحصاد، بل تبدأ بعده، أي أنه من دون منظومة مُتكاملة للتصنيع الغذائي والتخزين والنقل والتصدير يبقى القطاع الزراعي عُرضة لتقلبات المواسم والأسعار، ويبقى المُزارع في مواجهة سوق لا تحميه حين يفيض الإنتاج.
الأمر لا يتعلق فقط بحماية دخل المُزارعين، بل بإعادة تعريف دور الزراعة في الاقتصاد الوطني، فالقطاع الزراعي الحديث لم يعد يُقاس بحجم ما يزرع فقط، وإنما بحجم ما يصنع وما يُخزن وما يُصدر، وبقدرته على خلق سلاسل إنتاج مُتكاملة تولد فُرص عمل واستثمارات وعوائد أكثر استقرارًا.
وفي بلد يُعاني أصلًا من محدودية الموارد المائية، وارتفاع كُلف الإنتاج، يُصبح الانتقال نحو زراعة أكثر كفاءة ضرورة اقتصادية لا خيارًا مؤجلًا.. زراعة تعتمد على التكنولوجيا الحديثة، والإنتاج المُرتبط بحاجات السوق، والتوسع في التصنيع الغذائي بدل الاكتفاء بمنطق الإنتاج الموسمي التقليدي.
فما يحتاجه القطاع الزراعي اليوم ليس فقط موسمًا وفيرًا، بل منظومة قادرة على حماية نتائج هذا الموسم.. وعلينا أن نبدأ منذ اليوم بإعلاء القيمة المُضافة للقطاع، فالمُزارع لا ينبغي أن يبقى أول من يزرع وآخر من يربح.







