حياصات يكتب: المجتمع الذي يخاف الفضيحة أكثر من الجريمة
أ.د.علي حياصات
في كل مرة تظهر فيها جريمة صادمة تمس الأطفال أو الفئات الأضعف، ينفجر المجتمع بالغضب، وتتحول المنصات إلى ساحات إدانة جماعية، وكأن الجميع اكتشف فجأة أن الشر موجود بيننا. لكن السؤال الذي نادرًا ما نواجهه بصدق، هل نحن فعلًا مجتمع يرفض هذه السلوكيات جذريًا، أم أننا مجتمع بارع في إخفائها حتى تنفجر؟
المشكلة ليست فقط في الجريمة ذاتها، بل تكمن في البنية الثقافية التي تجعلنا نعيش داخل صورة مثالية متخيلة عن أنفسنا، صورة تعتبر السمعة أهم من الحقيقة، وتتعامل مع المظاهر الأخلاقية وكأنها دليل كافٍ على النقاء الداخلي. لهذا نُصدم حين يكون المتهم طبيبًا أو معلمًا أو صاحب مكانة اجتماعية، لأننا تربينا على ربط اللقب بالاستقامة الأخلاقية تلقائيًا، رغم أن الشهادة والسلطة والمظهر الديني لا يمنحون أحدًا حصانة أخلاقية.
في مجتمعاتنا، كثيرًا ما تتحول الألقاب إلى نوع من الحصانة الاجتماعية غير المعلنة. كلمة مثل “دكتور” أو “شيخ” تفتح أبواب الثقة قبل التحقق، وتجعل البعض يتردد في الشك أو الإبلاغ أو حتى التصديق. وهنا تكمن الخطورة حين تصبح المكانة الاجتماعية درعًا نفسيًا يحمي صاحبه من المساءلة المبكرة.
الأخطر ربما هو التدين الشكلي الذي ينشغل بحراسة المظاهر أكثر من بناء الضمير الإنساني. مجتمع يراقب تفاصيل لباس المرأة بدقة، لكنه يتردد في مواجهة الأخطاء المتوارثة أو مراجعة بعض المفاهيم التي تُمنح قداسة اجتماعية رغم آثارها السلبية. ينشغل بالطقوس والصورة العامة، بينما يغيب الحديث الجاد عن جوهر الاستقامة والعدل وحماية الإنسان. وهكذا تتحول الأخلاق أحيانًا إلى أداء اجتماعي أكثر منها وعيًا حقيقيًا ومسؤولية أخلاقية
حتى الصحة النفسية ما تزال تُعامل كوصمة. كثيرون يخافون من طلب المساعدة خوفًا من نظرة المجتمع، فتظل الأزمات صامتة حتى تتحول إلى كوارث معلنة. ثم نعود لتمثيل دور المجتمع المصدوم الذي لم يكن يتوقع.
لكن هل المشكلة في الفرد وحده؟ أم أيضًا في ثقافة تربوية تجعل بعض الأسر لا تعرف أين يذهب أبناؤها، ومع من يقضون وقتهم، وما الذي يتعرضون له؟ ولماذا ما يزال كثير من الأطفال يخافون من الحديث عن أي انتهاك لأنهم تربوا على الطاعة والخوف والسكوت؟
المجتمعات لا تُقاس بعدد الجرائم التي تقع فيها، فهذا موجود في كل مكان، بل بطريقة تعاملها مع الحقيقة. المجتمع الناضج لا يكتفي بالغضب الموسمي، بل يمتلك شجاعة نقد ثقافته، وتربيته، ونظرته للألقاب والسلطة، وخوفه المرضي من (الكلام الذي يجيب العيب).
ربما المشكلة الحقيقية ليست فقط في وجود هذه الجرائم، بل في إصرارنا على تصديق أن المظهر الأخلاقي يكفي لمعرفة الإنسان. فالمجتمع الذي يقدّس السمعة أكثر من الحقيقة، قد يصبح شريكًا ولو بصمته في صناعة الكارثة.







