المومني تكتب : "مكافحة الإرهاب في القانون الدولي لحقوق الإنسان"
د.نهلا عبدالقادر المومني
يشكل الإرهاب اعتداء على المقاصد الأساسية للأمم المتحدة وفي مقدمتها حماية السلم والأمن الدوليين وحماية حقوق الإنسان، وهو الأمر الذي اقتضى العمل في إطار جهود دولية متواصلة لمكافحته ومعالجة الأسباب التي تؤدي إليه في الوقت ذاته ووضع نظام قانوني لهذه الغاية يعتمد مجموعة من الاتفاقيات والبروتوكولات والقرارات التي شكلت أرضية قانونية ملزمة على الصعيد الدولي.
في هذا السياق انطلق المجتمع الدولي في تجريمه للإرهاب واضعا حماية حقوق الإنسان وتعزيزها سببا مباشرا للوقوف يدا واحدة لمواجهة هذا الخطر ولم يأت ذلك من فراغ؛ فالإرهاب ينطوي على تأثير مباشر على التمتع بالعديد من حقوق الإنسان، فهو يهدد كرامة الإنسان وأمنه وحياته والحق في العيش في مجتمعات يسودها الاستقرار والسلام، وينشئ بيئة تقوّض تحرر الإنسان من الخوف، كما يهدف الإرهاب في الوقت ذاته إلى زعزعة أسس سيادة القانون والسعي نحو القضاء على التعددية وتدمير الأسس الديمقراطية للمجتمع وزعزعة استقرار الحكومات المؤسسة بطريقة شرعية وفي الوقت ذاته فإن الإرهاب في أبعاده الأخرى يتصل بالجريمة المنظمة عبر الوطنية، وخاصة ما يتعلق بالاتجار بالمخدرات والسلاح وغير ذلك من أفعال جرمية جسيمة.
أما ما قد يشكل أثرا غير مباشر للإرهاب فيتمثل في انعكاساته على التنمية الاقتصادية وعرقلة مسارها وهو أمر يشكل خطرا متفاقما على أهداف التنمية المستدامة ومنظومة الإصلاح بصورة عامة.
في هذا الإطار ونظرا لهذه الآثار المتراكمة للإرهاب تم إقرار العديد من الاتفاقيات وكذلك إصدار العديد من القرارات المتعلقة بمكافحة الإرهاب على المستوى الدولي وفي وقت مبكر؛ إذ تعد اتفاقية جنيف لقمع ومعاقبة الإرهاب لعام 1937م من أوائل الاتفاقيات التي أبرمت لمكافحة هذه الجريمة وذلك قبل إنشاء الأمم المتحدة ووضع ميثاقها، تلتها العديد من الاتفاقيات.
إلا أن الوثيقة التي تستدعي التوقف أمامها مطولا هي إستراتيجية الأمم المتحدة العالمية لمكافحة الإرهاب والتي تتضمن نهجا موحدا لمكافحة هذه الجريمة يقوم على أربعة أركان أساسية تشمل مجموعة من التدابير؛ يتمثل الركن الأول في التدابير الرامية إلى معالجة الظروف المؤدية إلى انتشار الإرهاب وهو جانب وقائي، أما الركن الثاني فيتمثل في منع الإرهاب ومكافحته وهو الجانب العلاجي، أما الركن الثالث فيتمثل في التدابير الرامية إلى بناء قدرات الدول على منع الإرهاب ومكافحته، أما الركن الأخير فيقوم على التدابير الرامية إلى احترام حقوق الإنسان وسيادة القانون بوصفهما الركيزة الأساسية لمكافحة الإرهاب.
ليس ببعيد، جاءت الإستراتيجية العربية لمكافحة الإرهاب لتحاكي هذه الأركان التي أقرتها الأمم المتحدة، مع وضعها في السياق العربي الذي يعد من أكثر السياقات تضررا من جريمة الإرهاب وانعكاساتها.
إذًا، هذه الجريمة التي كانت وما تزال تشكل هاجسا إنسانيا وحقوقيا وأمنيا كبيرا لا بد من التصدي لها بنهج قادر على استئصال جذورها، فهي جريمة تقوم في فكرتها الأساسية والمحورية على ترويع الأفراد والمجتمعات وزعزعة استقرارها، أي أنها ليست جريمة عابرة تهدف إلى تحقيق غاية قصيرة الأمد، لا بل تسعى إلى تقويض أسس الدولة ومرتكزاتها وخلق حالة من عدم الاستقرار والأمان المجتمعي وبث بذور من الانقسام الداخلي والعمل على إنضاجها أولا بأول وبأدوات تعمل في الخفاء.
الأدوات والمرتكزات التي وضعتها الأمم المتحدة لمكافحة هذه الجريمة، ومن بعدها الإستراتيجية العربية لمكافحة الإرهاب هي أدوات وركائز تتطلب العمل عليها بشكل متواز ومتزامن لتؤتي أكلها، إلا أن هذه الأدوات في الوقت ذاته تواجهها العديد من التحديات؛ ذلك أن العقلية الإرهابية وخصائص المجرم الإرهابي تختلف عن غيرها مما يجعل مكافحة هذه الجريمة عملية تتطلب تضافر الجهود الوطنية وتكاتفها، وعملها في سياق متصل ومنسق وموحد لتحقيق النتائج المأمولة.







