سعدالدين تكتب : "الإرهاب.. لماذا الآن في الأردن؟"
نادية سعدالدين
يُمثّل الأردن، باعتداله وبيئته المستقرة وتماسكه المجتمعي وثبات مواقفه تجاه قضايا أمته، نقيضا طاردا للفكر الداعشي المتطرف، وسدا منيعا أمام مشروعه الإرهابي في المنطقة. ما يجعل الصدام حتميا حين تتقد شرارة حقد أعمى يرى في نموذج الدولة الأردنية القائم على الشرعية والمؤسسية والوئام تهديدا يبدد أوهام «دولة خلافة» زائفة تتغذى من الدم والتكفير والفوضى لإنعاش عودتها الظلامية بعد طول أفول.
فعندما يُقدم الأردن نموذجا لدولة مسلمة معتدلة تستمد استقرارها من شرعية تاريخية ودينية متجذرة، وهوية عربية إسلامية تتوازى مع مسار الانفتاح والتعددية، ووحدة وطنية مجتمعية تجلت عقب الهجوم الإرهابي في الكرك، فإنه بذلك يُسقط السردية الأساسية لتأويلات الفكر الإرهابي بوجوب تطبيق الإسلام عبر استباحة الدماء والتكفير وهدم المؤسسات، مثلما يدحض ثنائية «الفساد والمظلومية» التي ترفد التنظيمات المتطرفة بفكرة عداء الأنظمة الحاكمة للهوية، مما يُحوله هدفا إرهابيا لإثبات صحة نظرية الفوضوية المتطرفة.
ولأن بيئة الاستقرار طاردة للفكر المتطرف؛ فإن إستراتيجية التنظيمات الإرهابية، مثل «داعش»، تعتمد تاريخيا على مفهوم «إدارة التوحش» أي خلق حالة من الفوضى الأمنية والاجتماعية الشاملة، ثم التدخل لملء الفراغ وفرض السيطرة. وهنا تجثم العقبة الكؤود؛ حيث يُعد الأردن عائقا جغرافيا وجيوسياسيا أمام تمدد هذه الفوضى من الساحة السورية (لا سيما جنوبا حيث تشهد سيولة أمنية وغياب الضوابط الرسمية) أو العراقية أو الإقليمية المضطربة نحو مناطق أخرى، فاستقرار الأردن يعني فشل مشروع «الوصل الجغرافي» للخلايا الإرهابية.
وقد حاولت الجماعات المتطرفة استغلال التصعيد الإقليمي، بخاصة المواجهة الأميركية - الإيرانية والانتهاكات الصهيونية المستمرة ضد الضفة الغربية وقطاع غزة، لإعادة توجيه مناخ الاحتقان الشعبي نحو الداخل الأردني، وتوظيف أزمات المنطقة كوقود للتجنيد الفكري والتحريض ضد مؤسسات الدولة، لخدمة أجندتها الإرهابية بضرب الاستقرار المحلي والسلم الأهلي، عبر هجوم الكرك، وبعث رسالة للمجتمع الدولي، من خلال واقعة الهجوم أمام السفارة الدبلوماسية في عمان، بأن الساحة الأردنية ليست آمنة للبعثات والسياحة والاستثمار، بهدف تحويل البيئة الأردنية الجاذبة إلى أخرى طاردة شبيهة ببعض دول الجوار الفاشلة.
إلا أن الإرهاب خاب في كلتا الحالتين؛ أمام «المناعة المجتمعية» التي تعتبر الثابت الأكثر تهديدا للفكر المتطرف في النموذج الأردني، حيث تهاوت أهدافه التخريبية بإحداث شرخ مجتمعي بفضل الوحدة الوطنية والالتفاف الشعبي حول الدولة والأجهزة الأمنية. فهذا التماسك المجتمعي والمؤسسي يُفقد التنظيمات الإرهابية الحاضنة الشعبية ويجعلها معزولة تماما في بيئة وطنية ترفض تفكيك نسيجها.
ومع زيادة الضغط العسكري والضربات الاستباقية التي يوجهها الجيش العربي والأجهزة الأمنية الأردنية للأوكار الإرهابية عبر الحدود، تجد التنظيمات المتطرفة نفسها في رمقها الأخير بنيويا. لذلك فإنها تحاول الانتقال من إستراتيجية «بناء التمكين الميداني» الذي فشلت فيه إلى إستراتيجية «الانتقام» من النموذج الذي يقف لها بالمرصاد.
فالهجمات الأخيرة هي محاولة بائسة من قوى الظلام للقول بأن نموذج الاعتدال الأردني والسد المنيع يمكن خرق أمنه، حتى لو عبر عمليات طعن غادرة أو اعتداءات فردية معزولة لن تغير من الواقع الإستراتيجي شيئا، لكنها قد تُحدث صدى إعلاميا يبحث عنه التنظيم الإرهابي لرفع معنويات أتباعه المحبطين. مثلما تُعد أيضا تحركا سريعا لإثبات الوجود والقدرة على توجيه رسالة «ردع» لثني الدولة عن الاستمرار في ملاحقة عناصره الإرهابية خلف الحدود لحماية جبهتها الشمالية والشرقية. غير أنه أخطأ في تقديره للموقف الأردني الرسمي الصارم في محاربة الإرهاب والفكر المتطرف.
ثمة لحظة ضيقة فارقة للتحول من تطرف الفكر إلى تطرف الفعل، قد لا يتم رصدها بسهولة حتى من قبل الأجهزة الأمنية الرسمية، حيث يذوب الفارق بين الجانبين بسهولة، عندما يتعاطف المتطرفون مع أهداف المتطرفين العنيفين ويقدمون لهم الدعم والمساعدة تمهيدا للانخراط في صفوفهم، وحينما يقوم أصحاب الفكر المتطرف بإدارة الإرهاب والتأطير له والتحريض عليه، وهي الحالة الأخطر.
هذا يقتضي إستراتيجية وطنية شاملة تتبنى المعالجة الفكرية والتأهيلية والقانونية لحماية النسيج المجتمعي؛ فإلى جانب المعالجة الأمنية، لا بد من تضافر الجهود الرسمية وغير الرسمية لتفكيك الفكر المتطرف وتعزيز الوعي الوطني وتعميق أواصر الترابط الأهلي وتفويت الفرصة على مشوهي الحقائق عبر الفضاء الرقمي وسحب البساط من منصات الإشاعات والتجنيد الرقمي التي تستغل أي فراغ معلوماتي لإثارة الذعر.







