اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

السعايدة يكتب: أين "رجال الدولة"..؟

{title}
أخبار الأردن -

 

راكان السعايدة


السؤال هنا ليس عن النخبة العامة المستقلة، وإنما عن الرجال الذين صنعتهم الدولة الرسمية، وعندما احتاجتهم لم تجد إلا أقل القليل منهم.
أين مئات، إن لم يكن، آلاف رؤساء الوزارات والوزراء والأمناء العامين ورؤساء الهيئات والمؤسسات ومجالس الإدارات والمستشارين (...) أين يختفون في شدائد الدولة وصعابها..؟
يقول المنطق أن هؤلاء في الظروف التي تمر بها الدولة هم من يتصدون ليشرحوا للناس التحديات وطبيعة المخاطر، وهم من يبررون سياسات الدولة والقرارات التي تضطر إلى اتخاذها، وهم الذين يناقشون الناس ويحاورونهم لا لمجرد إقناعهم بما يقولون لهم، بل في حشدهم خلف الدولة الرسمية.
هذا الذي يفترض أن يكون عليه "رجال الدولة" لا يحدث في الواقع؛ لا يواجهون جمهوراً، لا كبيراً ولا صغيراً، ولا يخاطبونهم عبر الإعلام، لا كثيراً ولا قليلاً.
أين يختفون..؟ لا نعلم. لماذا يختفون..؟ لا ندري.. هكذا حالهم.. فقط يختفون، بلا مبرر منطقي، ولا حجة مقنعة، ولا يقدمون سبباً يمكن أن نفهمه أو نتفهمه.
هل أخطأنا في صياغة السؤال، ولم ننتبه إلى جانب آخر فيه..؟ ربما، لذلك سنعيد طرحه من جديد، ونسأل: هل يختفون.. أم يخفون رؤوسهم عمداً..؟
هذا سؤال ثقيل، إجابته تحتاج إلى تمهيد، وإجابة سؤال آخر: كيف صنعت الدولة هؤلاء..؟
الواقع القابل للفحص، أن أغلب من نقصدهم برجال الدولة من الطبقة الأولى (الواجهة الأمامية) لم يُصنعوا ضمن سياق مؤسسي تراكمي صحيح، الصعود فيه يستدعي أن يكونوا على أساس الكفاءة والقدرة والنزاهة وعمق المعرفة والخبرة.
المعيار الذي أتى بهؤلاء، ووضعهم في المقدمة مختلف، أساسه يُراوح بين العلاقات أو الولاءات الشخصية، والشللية، والقرابية، والاسترضائية، والاحتوائية..
هذه المعايير، وما في حكمها، لا تشترط، في الأحوال العادية، إمكانات وقدرات خاصة، أو أي شرط من الشروط التي يفترض أن يتوافر عليها رجل الدولة، بل تشعر أحياناً أن المطلوب أن يكون ضعيفاً هشاً مفرطاً في السطحية؛ ضعيف المعرفة، والمنطق، والحجة..
المشكلة أن هؤلاء يعاد إنتاجهم وتدويرهم بلا توقف، مرة تراهم في مواقع سياسية، ومرة في مواقع اقتصادية، وأخرى في مواقع خدمية، ينتقلون بين السلطات لا عائق يعيق طريقهم. حتى إنتاجهم العائلي يمضي على خطاهم في تولي المواقع والمسؤوليات، طبقة بعد طبقة.
الأهم، أن هؤلاء الذين اختفوا أو أخفوا رؤوسهم هم من تمتعوا لسنوات طوال بمواقعهم ومناصبهم؛ أغرقتهم الدولة بالامتيازات، وأغدقت عليهم المكاسب، وما تزال.
وكأنها كانت تظن أنهم رصيدها الذي تستدعيه عند الضرورات والملمات، وتلجأ إليهم عندما تحتاجهم أن يشرحوا ويفسروا للناس ظروفها وأحوالها، ويبرروا لهم اضطرارها لسياسات وقرارات غير شعبية، لا في بعدها السياسي، داخلياً وخارجياً، ولا في بعدها الاقتصادي.
وهذه إشكالية كبرى، لأن الدولة الرسمية لا تستطيع أن تصدّر للناس من هم في مواقع المسؤولية دائماً ليشرحوا للناس السياسات وأسبابها، ويوضحوا لهم القرارات وخلفياتها، خصوصاً إذا ما تعلق الأمر بأزمات الإقليم وانعكاساتها الداخلية.
في هذه الظروف تحتاج الدولة من يتحدث للجمهور بأريحية، ومن هو متحرر من قيود مواقع المسؤولية والتزاماتها، مثل هؤلاء يستطيعون حمل رسائلها وإطلاقها بكل الاتجاهات، وبخاصة للخارج، بدون تحميلها أي كلفة، ولا تكون الدولة ملزمة بالتوضيح لهذا الخارج.
الدولة اليوم، وفي ظل الظروف الإقليمية الصعبة والمعقدة، وبما في ثناياها من أخطار أحوج ما تكون لهؤلاء، لكن المشهد يقول إنها لا تجدهم.. وكأن استثمارها بهم ذهب أدراج الرياح.
والحال هذه، نجد في الواقع الموضوعي أننا أمام نوعين ممن يوصفون برجال الدولة:
الأول: نوع يختفي لأنه لا يعرف ماذا يقول، ولا كيف يقول، ولا لمن ومتى يقول.. هذا نوع، أساساً، لا يملك معرفة، ولا أسلوباً، ولا يستطيع أن يبني جملة سياسية قوية ومترابطة ليقولها.
هؤلاء تولوا مواقع مهمة، وأحياناً حساسة، وخرجوا منها كما دخلوها أول مرة، لم يهتموا ببناء معرفة عميقة عن الواقع الداخلي ومحيطه، ولا بنوا مهارات اتصال تتيح لهم مخاطبة الناس بمنطق قوي وحجة متماسكة ومقنعة.
لذا يختفي هؤلاء، ويتجنبون الظهور كي لا تُكشف ضحالة قدراتهم وعمق عجزهم وبساطتهم.. ولن أقول أكثر من ذلك.
أما النوع الآخر، وهو الأخطر على الإطلاق، هذا النوع يختفي عمداً، لا لسبب في بساطة التفكير وانعدام القدرات والإمكانات المعرفية والاتصالية.. لا، ليس لهذا السبب أبداً.. هم يعرفون ما يمكن أن يقولوه للناس، ولديهم الحجة ويملكون الأدوات، لكنهم لا يريدون الظهور عن قصد.. ولكل نوع من هؤلاء أسبابه التي يمكن إجمالها بالتالي:
أولاً: منهم من لا يريد أن يظهر للناس ويخاطبهم مدافعاً ومبرراً للدولة سياساتها لقناعته أن ذلك يفقده الشعبية.
ثانياً: منهم من يطمح أن يعود لموقع المسؤولية، ويظنون أن صمتهم يعجل في "حرق" وإطاحة من هم في السلطة القائمة ليأتوا مكانهم كمنقذين.
ثالثاً: منهم الغاضب أو الناقم الذي يعتقد أنه غادر موقع المسؤولية ظلماً، وأن الدولة لم تلتفت له، ولم تنصفه وترد له اعتباره، وهذا يصمت انتقاماً، وكأنه يقول "قلعوا شوككم بأيديكم". وهؤلاء منهم من تحول إما إلى معارض، ومنهم من تحوصل في "صالونات سياسية" لا همّ لها إلا إظهار أخطاء وقصور المسؤولين وتضخيمها.
رابعاً: منهم، وهؤلاء قلة عموماً، من لديه قناعة أن سياسات الدولة، في الجانب الذي يملك فيه معرفة ودراية، خاطئة وقراراتها غير قابلة للدفاع عنها، فيصمت كي لا يقع في التناقض.
خامساً: منهم، من غير تفصيل، من له صلات وعلاقات خارجية ترى أن صمته يخدم مصالحها، فيصمت.
ليست هذه كل الأسباب، فهي كثيرة، وإن كانت أعلاه من بين أهمها.
إذن، ما المعنى..؟
المعنى الحقيقي، وغير الموارب، أن الدولة، في العموم، لم تصنع رجالاً بالمعنى السياسي للكلمة، بل صنعت موظفين بمواقع مسؤولية عالية.
والفرق شاسع بين رجل دولة، لا حسابات عنده إلا حسابات الدولة، ويلغي ذاته ومصالحه لأجلها، وموظف شكّل حكومات وتولى وزارات وتنقّل بين السلطات، لكنه، دائماً، لا تعنيه الدولة، يسقطها من حسابه إن تصادمت مع حساباته.
هنا كان مأزق الدولة، لم تنتبه أنها أمضت سنوات تصنع من كانت تظن أنهم رجالها، ومسندها، والرافعة التي يمكنها أن تتكئ عليها كلما ضاقت بها السبل واشتدت عليها الظروف.
لم تجد الدولة من هذا الذي كانت تظنه إلا القليل، على بساطة فكر ومنطق بعضه.
ما العمل..؟
العمل، لا أن تواجه الدولة هؤلاء الذين صنعتهم بحقيقتهم فحسب، وإنما الأهم هو أن تسأل نفسها: كيف وأين، ولماذا أخطأت..؟ وكيف، ومن أين تبدأ لتصحح الخطأ؟
وأول التصحيح، أن تقرر منذ البداية معايير ومواصفات من توليهم شؤونها ومواقع المسؤولية فيها؛ ليس لأهمية أن يكونوا على قدر مواقعهم فقط، بل لأنهم سيكونون، لاحقاً، رجالها الذين يفترض أن تلجأ إليهم ليعينوها، في الشدائد، وهم خارج مواقع السلطة والمسؤولية.
بالمختصر: على الدولة أن تذهب أبعد من السؤال عن رجالها الذين اختفوا، إلى سؤال نفسها: أين أخطأت في اختيارهم وصناعتهم أساساً..؟

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية