الدرعاوي يكتب: تصنيف الأردن.. ثقة وسط العاصفة
سلامة الدرعاوي
لم يكن قرار وكالة ستاندرد آند بورز تثبيت التصنيف الائتماني السيادي للأردن عند BB- مع نظرة مستقبلية مستقرة، في هذا التوقيت، مجرد قرار فني، بل يحمل رسالة ثقة مهمة بقدرة الاقتصاد الأردني على الصمود في واحدة من أكثر البيئات الإقليمية اضطراباً.
فالقرار يأتي في وقت تتعرض فيه اقتصادات المنطقة لضغوط كبيرة نتيجة التوترات الجيوسياسية، واضطراب التجارة والنقل والطاقة وسلاسل التوريد، وهي عوامل تضغط مباشرة على المالية العامة والنشاط الاقتصادي.
الأهمية الحقيقية للتصنيف تكمن في ما يقوله للأسواق والمانحين والمؤسسات الدولية: الأردن ما يزال قادراً على إدارة اقتصاده والحفاظ على استقراره المالي والنقدي، وأن مسار الإصلاحات الذي ينفذه يحظى بقدر من المصداقية والاستمرارية.
وتشير الوكالة إلى مجموعة من العوامل التي دعمت قرارها، أبرزها مرونة الاقتصاد، وارتفاع الاحتياطيات الأجنبية، واستمرار الإصلاحات الاقتصادية والمالية والنقدية، إضافة إلى الدعم الدولي وبرنامج الإصلاح مع صندوق النقد الدولي.
لكن الأهم أن هذا التصنيف يجب ألا يُقرأ باعتباره شهادة نهائية، وإنما مسؤولية إضافية للحكومة للاستمرار في الإصلاح. فالحفاظ على الثقة يتطلب مواصلة ضبط الإنفاق العام، وتحسين كفاءة استخدام الموارد، وخفض العجز والدين تدريجياً، وتوسيع القاعدة الإنتاجية والتصديرية، وتحسين بيئة الاستثمار، دون إبطاء النمو أو تحميل المواطنين أعباء إضافية.
كما أن أهمية القرار تتجاوز الأردن إلى علاقاته مع المانحين والمؤسسات المالية الدولية. فوجود تصنيف مستقر في اقتصاد يقع في منطقة شديدة المخاطر يعزز قدرة المملكة على الوصول إلى التمويل، ويدعم ثقة المستثمرين، ويساعد في تحسين شروط الاقتراض مستقبلاً كلما تحسنت المؤشرات الأساسية.
وتتوقع S&P نمو الاقتصاد الأردني 2.5 % خلال 2026، وأن يرتفع متوسط النمو إلى نحو 3.2 % خلال 2027-2029، وهو ما يعكس إمكانية انتقال الاقتصاد تدريجياً من مرحلة إدارة الصدمات إلى مرحلة تحقيق نمو أعلى وأكثر استدامة.
المطلوب الآن هو البناء على هذه الثقة. فالتحدي لم يعد فقط المحافظة على التصنيف، وإنما الانتقال به تدريجياً إلى مستويات أعلى، عبر اقتصاد أكثر إنتاجية وتنافسية، ومالية عامة أكثر كفاءة، ودين أقل كلفة، واستثمارات قادرة على خلق فرص العمل.
وهذا تحديداً هو الاختبار الحقيقي للإصلاح الاقتصادي الأردني في السنوات المقبلة.






