العثامنة يكتب: مجال سياسي يولد من المجتمع لا مشاركة معلبة
مالك العثامنة
المشكلة في الإقليم لم تعد حربا هنا وأزمة هناك، بل إن القواعد التي كانت تضبط المنطقة نفسها تتآكل، وهذا بالنسبة للأردن ليس نقاشا نظريا في شكل الشرق الأوسط الجديد، لأن كل اختلال في هذه القواعد يصل إلينا سريعا، إلى حدودنا واقتصادنا ومياهنا وحياة الناس اليومية.
في الضفة الغربية لا ينظر الأردن إلى التوسع الاستيطاني ومحاولات فرض وقائع جديدة باعتبارها شأنا فلسطينيا منفصلا، لأن أي مسار يدفع باتجاه الضم أو التهجير يمس مباشرة الأمن الوطني الأردني، كما أن المساس بحل الدولتين لا يهدد الفلسطينيين وحدهم، بل يضرب واحدا من أهم مرتكزات الاستقرار السياسي والإستراتيجي بالنسبة للأردن.
وشمالا تبدو الصورة بالخطورة نفسها، فاستقرار الجنوب السوري ليس ملفا خارجيا بعيدا، بل يرتبط بأمن الحدود والتهريب والمياه وحركة التجارة، ولهذا فإن تمسك الأردن بوحدة الأراضي السورية وسيادتها ليس موقفا بروتوكوليا، بل جزء من حماية مصالحه المباشرة.
لكن الخطر الإقليمي لا يفرض فقط تحديث أدوات السياسة الخارجية والأمنية، بل يفرض أيضا مراجعة أدوات الداخل، وهنا يظهر الفارق بين هندسة المشاركة وصناعة المجال السياسي، فالأولى تستطيع أن تضع القوانين والنسب والمقاعد، وأن تعيد ترتيب الخريطة الحزبية وتدفع نحو الاندماج والمشاركة، أما الثانية فتحتاج إلى شيء أعمق، وهو أن يشعر المواطن أن السياسة تمسه فعلا، وأن صوته يمكن أن يغير، وأن الحزب يعرف مشكلاته قبل أن يطلب عضويته، وأن البرلمان لا يتذكره فقط يوم الانتخابات.
والتجربة الأردنية تقول إن محاولات هندسة الأحزاب من أعلى لم تكن كافية وحدها لصناعة حياة سياسية عميقة، ولهذا فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى الانتقال من التعامل مع المشاركة الحزبية باعتبارها واجبا أو مهمة ينبغي إنجازها، إلى بناء شراكة سياسية حقيقية مع المواطن، لأن المجال السياسي لا يصنع بالقرار وحده، بل بالثقة والتراكم ووجود مصلحة واضحة للمواطن في أن يكون جزءا منه.
وهذا يصبح أكثر أهمية في لحظة إقليمية مضطربة، لأن الدولة التي تواجه تحولات سريعة حولها تحتاج إلى داخل سياسي أكثر قدرة على الاستماع والتمثيل والامتصاص، لا إلى هياكل شكلية فقط، كما أن المواطن الذي يقلق على عمله ودخله ومستقبل أولاده يحتاج إلى قناة سياسية موثوقة تحول قلقه إلى مطلب، والمطلب إلى برنامج، والبرنامج إلى مساءلة.
ولهذا، فإن الإصلاح السياسي لم يعد ملفا منفصلا عن الأمن الوطني، بل جزء منه، لأن الشراكة مع المواطن تصنع جبهة داخلية أكثر ثقة وصلابة، فيما ترك المسافة واسعة بين الناس والمؤسسات يفتح المجال للإشاعة والغضب والاستقطاب.
والسؤال اليوم ليس فقط كيف سينجو الأردن من ارتدادات الإقليم، بل كيف يبني داخله السياسي بطريقة تجعل المواطن شريكا في إدارة هذه المرحلة، لا مجرد من يدفع ثمنها.







