شبلي يكتب: عن أي وطن نتحدث؟.. إنه وطن الإباء والكرامة
الدكتور سعد شاكر شبلي
حين يتساءل صديقي العزيز واستاذي الكريم راضي النداوي الأعز... بوجع وألم في تعليقه: "عن أي وطن تتحدثون؟"أقول:
وسط ركام الأزمات وظلال الفساد التي أنهكت جسد بلادنا، فإنني أشاركه هذه الغصة، لكني أقول له وللأحبة جميعاً: نحن لا نتحدث عن خارطة تقاسمتها السياسة، بل عن العراق الحقيقي؛ الجوهر والروح التي عشناها معاً، والوطن الذي يسكننا وإن جارت عليه الخطوب.
أنا وأنت يا استاذي، نعرف ذلك الوطن جيداً. فقد اختلطت دفء عرق جباهنا أنا وأنت وكثير من الأخيار مع سخونة وطهارة دماء سالت من أحباء لنا (جمال عبد الستار النداوي ويحي جبار النداوي وجاسم فاضل وبدن فاضل وعبد الحسين دوحي وغيرهم كثير) لتروي أرضه وتجعلها خصبة بالنماء بعد التضحيات....
إنه العراق العريق ... عاصمته بغداد، دار السلام والمحبة، وملاذ الصبا ومرابع الشباب الذي تشهد عليه أزقة مدينة الحرية مسقط رأسي وملاذك الجميل حيث العيادة الشعبية وما جاورها من سكان من أمثال (طارق حشودة ورحيم السوداني والحاج أسمر والحاج مشتت وعمك أبو نوري النداوي.. والحاج فضالة أبو بدن والحاج جبر).
نتحدث عن الأيام التي قضيناها بين مقاعد الدراسة في مدرسة التفاني والخطوات المثقلة بالأحلام في متوسطة الرافدين واعدادية التأميم ... وأحلام زملاء الصبا في التسامي والناصر والرسالة الخالدة.
هناك يا سيدي، تنفّسنا الإبداع مع أصوات كبار الفنانين الذين خرجوا من رِحم تلك الأرض؛ من دفء صوت سعدون جابر، إلى قيصر الغناء كاظم الساهر، وبوح باسم العزيز، وشجن عارف محسن وقاسم السلطان. هناك حيث كانت الروح الرياضية تُصنع في الساحات الشعبية مع كبار النجوم أمثال صاحب خزعل ورحومي جاسم، ويعقوب هاشم ورؤوف ابو العائلة وإبراهيم جمعية .. تحت رايات فرقٍ علمتنا معنى الانتماء كفريق الفيحاء الذي قاده المرحوم جاسم فاضل، والنجاح، والعاصفة، والصمود.
كيف لا نتحدث عن وطنٍ يختصر المجد في شوارعه التي مشيناها؟ من عبق الثقافة في شارع المتنبي، إلى نبض الحياة والذكريات في شارع الرشيد، وصولاً إلى سهرات الأحبة وأناشيد الضفاف في شارع أبو نؤاس حيث يتهادى دجلة الخالد حاملا قصة بلد لا يموت.
بلدٌ تلتقي فيه قدسية الكاظمية التي تحوي في ثراها الطاهر جسد الإمامين موسى بن جعفر ومحمد الجواد (عليهما السلام) ومعهم الشريف الرضي والشريف المرتضى، بمهابة الأعظمية التي تنير سماءها أضواء جامع الإمام أبو حنيفة النعمان (رضي الله عنه)، في عناقٍ أبديّ يجسد هوية بغداد الحقيقية التي نشأنا عليها.
إننا نتحدث عن وطن يمتد كشريان حياة لا ينقطع؛ نتحدث عن شمالنا الشامخ في أربيل القلعة والتاريخ، والسليمانية بجمالها وثقافتها، وننحدر مع التاريخ إلى سامراء التي بناها المعتصم، ذلك القائد الذي اشتهر بتلبية نداء الماجدة العربية حين نادت (وا معتصماه). نتحدث عن الموصل الحدباء، موطن الشاعر الكبير أبو تمام الطائي، وعن واسط العريقة، والعمارة الصابرة، والناصرية (ذي قار) منبع الحضارة والفكر.
ونختم الرحلة حيث يلتقي النهران في البصرة الفيحاء؛ مدرسة الفقه واللغة، مدينة الخليل بن أحمد الفراهيدي، وقيثارة الشعر الحزين بدر شاكر السياب، تلك المدينة التي ما زالت تلقن الدنيا دروساً في العطاء والكرم.
هذا هو العراق الذي نعنيه؛ أرض ممتدة تحفظ تاريخاً خطّته ملاحم جلجامش وحضارات حمورابي ونبوخذ نصر.
قد يغيب الشرفاء مؤقتاً وتتكالب المحن كما ذكرتَ في تعليقك، ولكن إرث هذا الوطن أعمق من أن يسرقه عابر، وقداسته أقوى من أن تدنسها عاصفة. سيبقى العراق بأمجاده ورجاله، وبذكرياتنا المشتركة فيه، حياً فينا ونبراساً للأمل والتحدي.. فمن يملك هذا التاريخ، لا ينحني أبداً.







