أبو زينة يكتب : "حدود "التقدمية" في الكيان الصهيوني..! (2-2)"
علاء الدين أبو زينة
تظهر حدود «تقدُّمية» ألون بن مئير ونظرائه من ليبراليي الكيان في مقاربته لمسائل العنف، والانقسام، والقيادة الفلسطينية، وحل الدولتين. وهو يُقدم في كل هذه القضايا أطروحات جديرة بالنقاش، لكنه يجعل السلوك الفلسطيني وحده محور التقييم بينما يُبقي بنية السيطرة الاستعمارية أقل حضورًا إلى حد كبير.
عندما يناقش مسألة العنف، يرى بن مئير أن ما يسميه «العنف الفلسطيني» لم يحقق الهدف الوطني، وإنما عزز التيارات المتشددة في الكيان، وقدم مبررات للرد العسكري، وزاد معاناة الفلسطينيين، وأضعف قضيتهم سياسيًا. وهذه ملاحظة تستند إلى اختلال واضح في تقدير ميزان القوة. لا شك في أن مراجعة أدوات النضال واختيار الوسائل الأقدر على تحقيق أثر سياسي بأقل كلفة بشرية هي مسألة مشروعة – وضرورية- في أي نقاش حول الإستراتيجية الوطنية.
لكن تحويل هذه الملاحظة إلى قاعدة أخلاقية وسياسية أحادية الجانب يترك سؤالًا لا يقل أساسية بلا إجابة: ما الذي يُطلب من الطرف الأقوى التخلي عنه؟ إذا كان الفلسطيني مطالبًا بالتخلي عن «العنف» بحجة أنه يضر بمشروعه الوطني، فإن الكيان مطالب، وفق المعيار الأخلاقي والسياسي نفسه، بالتخلي عن استخدام تفوقه العسكري وعنفه الساحق لإدامة الاحتلال والاستيطان والسيطرة. وفي أي نظرة متوازنة لا يكفي تحليل إخفاق وسائل المقاومة من دون تحليل البنية التي أبقت الفلسطينيين تحت احتلال طويل الأمد، وحصار، ومصادرة للأرض، واستيطان، وقيود على الحركة، واختلال هائل في ميزان القوة.
لا ينبغي أن يتحول نقد وسائل المقاومة التي يستخدمها شعب مستعمَر إلى إغفال غير نزيه لشروط ظهورها. وليست الفكرة تبرير كل فعل فلسطيني أو إعفاء القيادة من المسؤولية، وإنما رفض قلب العلاقة السببية: ثمة احتلال ينتج شروطًا سياسية واجتماعية واقتصادية مدمرة، ثم يُطلب من المجتمع الواقع تحته أن يصحح نتائجها قبل أن يُرفع عنه الاحتلال.
وينطبق الأمر نفسه على الانقسام الفلسطيني. لا شك أن الانقسام بين الضفة وغزة أضر بالقضية وأضعف تمثيلها السياسي، وأن بناء دولة قابلة للحياة يتطلب وحدة سياسية ومؤسسة تمثيلية تستند إلى شرعية شعبية. لكن تفسير الانقسام باعتباره إخفاقًا فلسطينيًا داخليًا فحسب يحجب سياقه الأوسع، بما فيه السياسات التي انتهجها الكيان والقوى الدولية، والأدوار التي أدتها في إنتاج الانقسام أو استثماره. والمطلوب هو مساءلة المسؤولية الفلسطينية من دون عزلها عن البيئة التي تشكلت فيها، أو تحويلها إلى تفسير مكتفٍ بذاته للمأزق.
من النقاط اللافتة في أطروحة بن مئير في أكثر من مقال دعوته إلى الإفراج عن مروان البرغوثي، الذي يراه شخصية قادرة على اكتساب شرعية واسعة والمساهمة في إعادة توحيد الحركة الوطنية. وتنطوي هذه الدعوة على مفارقة سياسية مهمة: إذا كان وجود قيادة فلسطينية ذات شرعية وقدرة على جمع الفصائل شرطًا لنجاح التسوية، فإن إبقاء شخصية مرشحة للاضطلاع بهذا الدور في السجن يطرح سؤالًا عن البيئة التي يُفترض أن تنتج تلك القيادة. إن القيادة الفلسطينية لا تتشكل في فضاء مستقل عن الاحتلال؛ وقدرتها على الحركة والتنظيم والانتخاب والعمل المؤسسي تتأثر مباشرة بمنظومة السيطرة القائمة.
وثمة أيضًا «حل الدولتين» الذي يقدمه بن مئير باعتباره الطريق الوحيد القابل للحياة، وهو مفهوم يستدعي تدقيقًا يتجاوز تأييد المبدأ أو رفضه ليركز على طبيعة الدولتين وحدود السيادة والعلاقة بينهما، وعلى شكل الدولة الفلسطينية الممكنة، والأرض التي ستقوم عليها، ومدى سيطرتها الفعلية على حدودها ومجالها الجوي ومواردها ومياهها وحركتها الاقتصادية.
إذا كانت الدولة التي يجري الحديث عنها واحدة مجزأة جغرافيًا ومحدودة السيادة، بينما يحتفظ الكيان الاستعماري بتفوق عسكري واقتصادي وتقني ساحق وبقدرة واسعة على التدخل في شؤونها، فقد يصبح الاعتراف بالدولة تغييرًا في الشكل القانوني للسيطرة أكثر منه إنهاءً لهذه السيطرة. ومن المسلّم به أن دولة لا تمتلك القدرة على حماية قرارها ولا تدير مواردها ولا تضمن اتصال أراضيها ستكون عاجزة عن ممارسة سيادة مكتملة، مهما حملت من صفات الدولة في الاتفاقات والخرائط.
ثمة مسافة تظهر في هذه المسألة الأساسية بين بن مئير وبعض الأصوات الأكثر جذرية في نقد الاحتلال. فهو ينطلق من سؤال كيفية جعل حل الدولتين ممكنًا وقابلًا للحياة في ظل الكيان الصهيوني القائم بما هو. وفي المقابل، ثمة أصوات مثل عميرة هاس وجدعون ليفي، والتي تركز أكثر على حياة الفلسطينيين تحت الاحتلال وعلى بنية السيطرة اليومية وعلاقات القوة التي تنتجها. وهناك يتسحاق لاور الذي يذهب شوطًا أبعد في مساءلة الإطار الأيديولوجي الذي يجعل الدولة اليهودية الصهيونية- بمواصفاتها المعروفة- نقطة البداية التي ينبغي لكل حل أن يتكيف معها. ويوضح هذا الاختلاف أثر نقطة الانطلاق الفكرية في طبيعة الحل وحدوده.
إن الاعتراف بوجود الشعب الفلسطيني، وبمعاناته، وبحقه في دولة، لا يضمن وحده الاعتراف المتكافئ بحقوقه السياسية. ربما ينشأ قبول بقيام دولة فلسطينية ضمن ترتيبات تبقي التفوق البنيوي للكيان الاستعماري قائمًا، وتترك للفلسطينيين سيادة منقوصة على الأرض والموارد والحدود. وقد يكون الاعتراف بالدولة ضمن هذا المنظور خطوة سياسية مهمة، لكنه لا يحقق بالضرورة المساواة التي يفترض أن يقوم عليها السلام.
مع ذلك، لا يعفي نقد بن مئير الفلسطينيين من مسؤولية بناء مشروع وطني أكثر تماسكًا. إنهم يحتاجون حقًا إلى قيادة تستمد شرعيتها من شعبها، ومؤسسات خاضعة للمساءلة، ووحدة سياسية، وإستراتيجية تجمع النضال الشعبي والقانوني والدبلوماسي، وتحول التأييد الدولي إلى ضغط سياسي. وهذه مهام تعزز قدرتهم على حماية مصالحهم وانتزاع حقوقهم.
لكن قيمة الإصلاحات المقترَحة تتحدد بالغاية التي تخدمها. في الأساس، لا ينبغي أن تكون الوحدة امتحانًا يسبق الاعتراف بالشعب. ولا ينبغي أن تكون الديمقراطية شرطًا يملكه المحتل ويمنحه لمن يراه أهلًا، ولا أن تؤجِّل محاربة الفساد حق تقرير المصير. إن هذه المتغيرات هي أدوات لبناء القدرة الوطنية وممارسة الحق. وبنفس المقدار، لا ينبغي أن يكون معيار أي تسوية مقدار ما توفره من طمأنينة للطرف الأقوى وحده، ويجب أن تُؤخذ في الاعتبار قدرتها على إنهاء السيطرة وضمان الحرية والسيادة المتكافئة.
في المحصلة، تعرضُ مواقف بن مئير حدود تيار ليبرالي في الكيان يستطيع نقد الاحتلال والدفاع عن الدولة الفلسطينية، لكنه يظل مقيدًا بمركزية النظام الاستعماري العنصري القائم واحتكاره لتحديد شروط الحل. وليس من النزاهة في شيء ادعاء الليبرالية والتقدمية لموقف لا يستطيع تصور الفلسطيني كصاحب حق مساوٍ في تقرير المصير، ويعتبره الطرف المطالب بإصلاح نفسه قبل التفكير في قبوله. وإذا كان ثمة كيان ينشأ بشهادة استحقاق تمنحها له قوة استعمار قائمة، فإنه سيكون أي شيء- إلا دولة حُرة يمارس شعبها حقه في تقرير مستقبله.







