الشعراء يكتب: الفساد بين المحاربة والمواربة
بقلم: محمد الشعراء
ليس أخطر على الأوطان من الفساد، إلا أن تتحول محاربته إلى شعارات تُرفع أمام الناس، بينما تُمارس المواربة خلف الأبواب المغلقة؛ فنصبح أمام مشهد تتسع فيه المسافة بين القول والفعل، وبين النص القانوني والتطبيق الإداري، وبين العدالة التي نكتبها في الوثائق والعدالة التي ينتظرها المواطن في حياته اليومية.
إن الفساد لا يبدأ دائمًا بحقيبة أموال، ولا ينتهي برشوة يتقاضاها موظف؛ فقد يبدأ بقرار إداري يُفصّل على مقاس شخص، أو معيار يُطبّق على مواطن ويُستثنى منه آخر، أو فرصة تُمنح لصاحب النفوذ بينما يُطلب من صاحب الكفاءة الانتظار خلف طابور طويل من التبريرات.
وهنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا: هل نحارب الفساد فعلًا، أم نحارب فقط أشكاله التي يسهل كشفها، ونوارب حين يقترب من أصحاب النفوذ والمواقع؟
حين تصبح الواسطة أقوى من الكفاءة
في المجتمعات التي تسعى إلى بناء دولة المؤسسات والقانون، لا يجوز أن يكون اسم الأب، أو المنصب، أو شبكة العلاقات الاجتماعية، جواز عبور إلى الفرص التي يفترض أن تكون متاحة للجميع.
فابن المزارع الذي أفنى والده عمره في حراثة الأرض، وابن العامل الذي اقتطع من قوت أسرته ليعلّم أبناءه، يستحقان أن يقفا أمام القانون والمؤسسات على المسافة ذاتها التي يقف عليها ابن المسؤول والأستاذ الجامعي وصاحب النفوذ.
لسنا ضد أن ينجح أبناء المسؤولين، ولا أن يتقدم أبناء أصحاب المناصب؛ ولكننا ضد أن تتحول المكانة الاجتماعية إلى امتياز غير معلن، وضد أن تصبح الكفاءة شرطًا للفقراء واستثناءً للأقوياء.
فالعدالة لا تعني حرمان أحد بسبب نسبه، وإنما تعني ألّا يُمنح أحد فرصة بسبب نسبه.
الفساد المقنّع بالإجراءات
لعل أخطر أشكال الفساد ذلك الذي يرتدي ثوب النظام، ويتحدث بلغة التعليمات، ويختبئ خلف اللجان والتفسيرات الإدارية.
فعندما تتغير معايير المفاضلة بعد تقديم الطلبات، أو تختلف قراءة التعليمات باختلاف أصحابها، أو يُستخدم الغموض الإداري لتبرير قرارات متناقضة، فإننا نكون أمام ممارسات تستوجب الرقابة والمساءلة، حتى وإن لم يثبت أنها تشكل جرائم فساد بالمعنى القانوني.
إن تشكيل اللجان لا يكفي وحده لتحقيق العدالة؛ فاللجنة التي لا تكشف الحقيقة، ولا تفسر أسباب قراراتها، ولا تصحح الأخطاء المثبتة، قد تتحول من وسيلة للإنصاف إلى وسيلة لإطالة أمد المظلمة.
ولا قيمة للشفافية إذا كانت المعلومات لا تظهر إلا عندما يضطر المواطن إلى المطالبة بها مرارًا.
الأردن أكبر من الواسطة
لقد قطع الأردن خطوات مؤسسية وتشريعية مهمة في بناء منظومة النزاهة الوطنية، لكن نجاح هذه المنظومة لا يُقاس بعدد الندوات والمؤتمرات والشعارات، وإنما بمدى انعكاسها على حياة المواطن وثقته بمؤسسات دولته.
فالمواطن لا يريد أن يسمع عن العدالة فحسب، بل يريد أن يلمسها عندما يتقدم لوظيفة، أو ينافس على مقعد جامعي، أو يراجع مؤسسة حكومية، أو يطالب بحق كفله له القانون.
إن حماية مؤسسات الدولة لا تكون بالصمت عن أخطائها، وإنما بتصويبها، ولا تكون بالتستر على التجاوزات، وإنما بإخضاعها للرقابة والمحاسبة وفق القانون.
فالأوطان القوية لا تخشى كشف الخطأ، بل تخشى أن يتحول الخطأ إلى قاعدة، والاستثناء إلى عرف، والواسطة إلى ثقافة تتوارثها الأجيال.
بين المحاربة والمواربة
المحاربة الحقيقية للفساد تبدأ حين يخضع الجميع للمعيار ذاته، وحين يستطيع المواطن الاعتراض دون خوف، وحين لا تكون قوة المشتكي الاجتماعية شرطًا لسماع صوته.
أما المواربة، فتبدأ عندما نُدين الواسطة في الخطابات ونبحث عنها في المكاتب، ونطالب بالنزاهة أمام الكاميرات ثم نلتمس الاستثناءات لأبنائنا ومعارفنا.
ولذلك، فإن معركتنا ليست مع الأشخاص، ولا مع المؤسسات، بل مع كل ممارسة تنتقص من العدالة وتضرب مبدأ تكافؤ الفرص.
إننا نريد أردنًا لا يحتاج فيه ابن الحرّاث إلى واسطة ليحصد ثمرة تعبه، ولا يحتاج فيه صاحب الحق إلى معرفة مسؤول حتى يُطبّق عليه القانون.
وفي الختام، فإن الفساد لا ينتصر فقط عندما يجد من يمارسه، بل عندما يجد من يبرره، ومن يصمت عنه، ومن يلتف على الحقيقة لحماية المصالح.
فإما أن تكون النزاهة نهجًا لا يستثني أحدًا، وإما أن تبقى شعارات جميلة تخفي وراءها واقعًا لا يشبهها.
فالفساد لا يُحارَب بالمواربة، والعدالة التي تحتاج إلى واسطة ليست عدالة، والقانون الذي لا يقف أمامه الجميع سواسية يفقد أهم مقاصده.







