اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

نادية سعدالدين تكتب: هندسة "الإلهاء"

{title}
أخبار الأردن -

 

نادية سعدالدين

لطالما وظف الساسة الصهاينة أسلوب تشتيت الانتباه الدولي العمدي كأداة جيوسياسية لإطالة أمد الظلم وطمس الجرائم الدموية وإنكار حقوق الشعب الفلسطيني ومنح الجُناة حصانة العبور فوق القوانين. وفي عصر الثورة الرقمية ووسائط الإعلام غير التقليدية؛ فإن «إستراتيجية التشتيت» تنتعش مع تراجع متوسط مدة الانتباه البشري إلى 47 ثانية، وهو ما حذر منه جلالة الملك عبدالله الثاني في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بلغة حاسمة قوية.
 

  وضع الأردن عبر منبر الأمم المتحدة مبدأ إستراتيجياً جديداً: الانتباه كقوة جيوسياسية، حين قال جلالته إن «المستقبل لا يتشكل بما نفعله فحسب، بل بما نختار أن نتجاهله أيضاً»، في مقاربة مهمة تربط بين «سيكولوجية الإنسان الرقمي المعاصر» وبين «مصير الأمم المُستضعفة»، مثلما تعكس واقع المجتمع الدولي الذي بات يُمارس «التصفح السريع» (Scrolling) للأزمات الإنسانية؛ حينما يُبدي قلقه بضع ثوانٍ ثم ينتقل بعدها للأزمة التالية بوتيرة متسارعة، مما يرسخ الانتهاكات التاريخية ويُكرس إنكار حقوق الشعوب وسط ضجيج الإشعارات الرقمية والتغير الدائم للحسابات السياسية.
  ومع ذلك؛ فإنها تُعد، أيضاً، بمثابة صفعة مباشرة لسياسة «إدارة الأزمات» بدلاً من حلها، ولدبلوماسية «التمرير» بدلاً من «الانتباه المُستدام»، ولتخاذل المجتمع الدولي عن منع حرب الإبادة الصهيونية ضد قطاع غزة، ووقف عنف المستوطنين وانتهاكاتهم العدوانية في الضفة الغربية.
  يُمثل استخدام «التشتيت» و»إرهاق الانتباه» كأداة جيوسياسية لإدارة الصراع وتوجيه الرأي العام، في الأدبيات السياسية، انعكاساً بالغ الخطورة لمنظور «الحرب الإدراكية» (Cognitive Warfare)، التي يتخذها الكيان الصهيوني كعقيدة أساسية لتمرير مخططاته الاستعمارية الإحلالية في غزة والضفة الغربية في ظل تعمد إنهاك العقل الجمعي العالمي وتشتيت بوصلته.
  إذ عند استهداف هندسة الوعي وطريقة معالجة الدماغ البشري للمعلومات؛ لا يعود الهدف العسكري محصوراً في تدمير الأرض أو العتاد، بل في إحداث حالة من «الإرهاق المعرفي» (Cognitive Fatigue) و»البلادة الصدمية» (Compassion Fatigue) لدى الرأي العام العالمي، حينما يتحول «الانتباه الدولي»، في عصر تدفق البيانات فائق السرعة، إلى سلعة جيوسياسية نادرة، بينما ينخفض مؤشر التركيز البشري بفعل الشاشات الرقمية، مما يسهُل على الاحتلال ممارسة نوعٍ من «تذويب الأجندة» (Agenda- Melting)؛ عبر توليد متتالٍ للحروب الجانبية والأزمات الإقليمية المفتعلة، حتى يتأكد أن الضمير الدولي لن يسعفه الوقت ولا الطاقة للتركيز على الجريمة الكبرى بالإبادة والتهجير أو بناء زخم كافٍ لفرض العقوبات والمساءلة، أو اتخاذ قرارات حاسمة.
  وهنا يقع المحذور؛ فبمجرد اقتراب الضمير العالمي أو تكتل المنظمات الدولية (مثل محكمة العدل الدولية أو المحكمة الجنائية الدولية) لجهة إدانة المجازر وحرب التجويع الممنهجة في قطاع غزة أو سياسات الضم والتهجير التدريجي والاستيطان المتسارع في الضفة الغربية، فإن الاحتلال يُسارع فوراً إلى تفجير أزمات جانبية أو جبهات إقليمية جديدة. الهدف ليس الحسم العسكري في تلك الجبهات بقدر ما هو نقل «عدسة الكاميرا العالمية» بعيداً عن الجذور الحقيقية للصراع، لتبدأ جولة جديدة لـ47 ثانية من الانتباه نحو ملف آخر.
  وفي تلك المرحلة يستكمل الاحتلال مسعاه بمحاولة عزل المأساة كلياً؛ من خلال استراتيجية المماطلة وإطالة أمد الحروب وافتعال الخلافات الصاخبة مع المنظمات الأممية (مثل الهجوم على الأونروا) بهدف تحويل الإبادة الصهيونية ضد غزة والجرائم الدموية في الضفة الغربية إلى «أخبار يومية مُعتادة»، وتوظيف التشتيت في استنزاف طاقة الشعوب على الغضب والتعاطف، سبيلاً لتمرير سياسات التغيير الديموغرافي والجغرافي على الأرض الفلسطينية المحتلة بهدوء، وصرف الانتباه عن حقوق الشعب الفلسطيني.
  وإذا كانت الثقة في المنظومة الدولية والأممية قد تبددت منذ زمن بعيد حتى تعمق فقدانها أثناء حرب الإبادة الصهيونية ضد قطاع غزة، فإن استعادتها يتطلب تحرير الضمير العالمي من شِباك التضليل والتشتت الرقمي والسياسي المُمنهج لخدمة الرواية الصهيونية الزائفة، مثلما يستدعي إعادة هيكلة أدوات الدبلوماسية العربية والدولية لمنع الانجرار وراء أزمات الاحتلال المُفتعلة للتهرب من التزاماته وحجب انتهاكاته الدموية بحق الشعب الفلسطيني والعربي.
  إن الحفاظ على القضية الفلسطينية كقضية جوهرية ثابتة، وتحويل «الانتباه المُستدام» إلى مبدأ قانوني وأخلاقي أممي، وتحمل المجتمع الدولي لمسؤولياته بعيداً عن إلهاء الاحتلال، يشكل عناصر أساسية لإفشال مخططات الكيان الصهيوني التوسعي. وبدون ذلك؛ ستظل العدالة الإنسانية رهينة التجاهل والإهمال.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية