اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

أبو زينة يكتب: في جدوى العقوبات على إيران..!

{title}
أخبار الأردن -

 

علاء الدين أبو زينة


بعد أن هدأ صخب المدافع مرة أخرى في الحرب على إيران، عادت العقوبات الاقتصادية لتحتل مركز النقاش حول عبث الأشياء وجدواها. ثمة الذين يرون في العقوبات أداة ضغط كفيلة بإضعاف طهران وتضييق خياراتها. وثمة الذين يرون أن طول أمدها يتيح لإيران تطوير آليات للتكيف والالتفاف؛ وتعميق علاقاتها بالصين وروسيا؛ وتوسيع اقتصادها الموازي- من دون أن تنكسر إرادة نظامها.
 

ثمة من المداخلات اللافتة في هذا النقاش مقال نشرته في 25 آب الحالي مجلة «ذا أتلانتيك» الأميركية بعنوان «التهديد الأجوف الأخير ضد إيران» The Latest Empty Threat Against Iran. وكما هو واضح من العنوان، تقدم كاتبته، الصحفية الأميركية المتخصصة في الأمن القومي والسياسة الخارجية، فيفيان سلامة Vivian Salama، عرضًا لأسباب تراها كفيلة بإفشال العقوبات على إيران هذه المرة أيضًا.
بحسب سلامة، تعود إدارة ترامب بعد إخفاق السبل العسكرية في انتزاع استسلام سريع من طهران إلى العقوبات كأداةً لـ»الخنق الاقتصادي»، لكنها تتردد في الوقت نفسه في تنفيذ تهديداتها بفرض عقوبات ثانوية شاملة على بعض الأطراف الثالثة المهمة خشية زعزعة النظام المالي العالمي. ولا شك في قدرة واشنطن على إلحاق الألم بإيران- بعقوبات ثانوية أو من دونها- لكنها تعجز عن تحويل الألم إلى استسلام. وعندما لا يفضي الضغط إلى تسوية سياسية، فإنه قد يتحول من أداة للحسم إلى اختبار طويل جديد للإرادة والتحمل فحسب.
السبب الأول لفشل العقوبات على إيران، بحسب سلامة، هو أنها لا تضع البلد أمام تجربة جديدة وهو الذي عاش هذه الخبرة لعقود. فقد فرضت الولايات المتحدة عليه عقوبات منذ الثورة الإسلامية في العام 1979. وقد ألحقت العقوبات بالبلد أضرارًا اقتصادية هائلة، لكنها أخفقت في تحقيق غاياتها السياسية المعلنة: لم تدفع النظام الإيراني إلى تغيير سلوكه الأساسي؛ ولم تجبره على التخلي عن قدراته الإستراتيجية؛ ولم تقرّبه من الحرص على إبرام تسوية مع واشنطن. وتلخص سلامة هذا التاريخ في شهادة ستيف هانكه، أستاذ الاقتصاد التطبيقي في جامعة جونز هوبكنز، الذي يصف سجل العقوبات الأميركية على إيران بأنه يكاد يكون «سجل فشل كامل». في النهاية عجزت هذه السياسة عن إنجاز الغاية التي صُممت من أجلها؛ ولذلك لا يوجد أساس منطقي لافتراض أن مضاعفة الجرعة ستأتي بجديد هذه المرة أيضًا.
وثمة سبب ثانٍ لفشل العقوبات، هو أنها لا تعمل في فراغ دولي. وقد بنت الولايات المتحدة إستراتيجية العقوبات على افتراض أن النظام المالي العالمي يستطيع عزل إيران -إذا قررت واشنطن ذلك. لكن الأحداث تثبت عدم واقعية هذا الافتراض. ما تزال الصين تواصل شراء النفط الإيراني؛ ولا تبدو روسيا مستعدة لمساعدة واشنطن على حسم حربها؛ وثمة دول أخرى تتعارض مصالحها مع تحويل العقوبات الأميركية إلى حصار اقتصادي شامل. وفي تطور أخير، أعلنت بكين صراحة أن «أساليب العقوبات والضغط لا تساعد في حل القضايا»، وأكدت استعدادها لحماية «حقوقها ومصالحها المشروعة». ويعني ذلك أن تستطيع الولايات المتحدة جعل التعامل مع إيران أكثر كلفة، لكنها لا تستطيع إلغاء العلاقات الاقتصادية والسياسية التي تربط طهران بقوى كبرى تمتلك الموارد والحوافز لمقاومة الضغط الأميركي.
تكشف مسألة العقوبات الثانوية تحديدًا عن مفارقة في القوة الأميركية: تستطيع واشنطن -نظريًا- أن تجبر الدول على الاختيار بين التعامل مع إيران والوصول إلى النظام المالي القائم على الدولار. لكنها تغامر إذا استخدمت هذا السلاح بلا حساب بإلحاق الضرر بنفسها -وبالاقتصاد العالمي كله. ولهذا امتنع وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، عن تسمية الصين وروسيا في تصريحاته الأخيرة، رغم كونهما أهم من يساعد إيران اقتصاديًا، لأن استهدافهما مباشرة قد يُرتب على الولايات المتحدة نفسها كلفة أكبر من أن تستطيع تحملها. وتقتبس سلامة وصف محامي العقوبات، جيسون برنس، العقوبات الثانوية بأنها «مقامرة اقتصادية» لها آثار تتجاوز إيران بكثير. مع اتساع نطاق العقوبات، يتسع أيضا خطر اضطراب التجارة والتمويل والطاقة، ويتحول من أداة الضغط على الخصم إلى مصدر ضغط على الاقتصاد الأميركي وحلفائه أيضًا.
وثمة عامل إفشال أكثر أهمية: تفترض العقوبات وجود خصم يمكن إخضاعه اقتصاديًا قبل أن يغيّر سلوكه السياسي. لكن إيران أظهرت قدرة عالية على التكيف مع الضغط. فقد تحملت أضرارًا عسكرية واقتصادية ضخمة من دون أن تفقد قدرتها على مواصلة القتال، واستمرت في إيجاد قنوات للتجارة والتمويل وتصدير النفط. وحين تكون الدولة مستعدة لتحمل كلفة اقتصادية مرتفعة للحفاظ على أهداف تراها مرتبطة بأمنها وبقائها نفسه، تتحول العقوبات من أداة لإجبارها على الاستسلام إلى عامل يدفعها إلى تطوير وسائل بديلة لتجاوز النظام الذي تفرضه واشنطن.
بحسب سلامة، تفتقر العقوبات الحالية إلى عنصر حاسم في مفهوم الردع: المصداقية. في النهاية، لا تقاس القوة فقط بحجم العقوبة التي تستطيع دولة فرضها فحسب، وإنما بمدى استعدادها لاستخدامها. وقد أعلنت إدارة ترامب مواعيد نهائية متكررة ثم مددت هذه المواعيد؛ وهددت بعواقب قصوى، ثم منحت فترات سماح؛ وأعلنت «ضغطًا أقصى»، ثم عادت لتعلن «ضغطًا أقصى» جديدًا. ومع تكرار هذه الدورة، يتعلم الخصوم شيئًا عن حدود القوة الأميركية أكثر مما يتعلمون عن قدرتها نفسها. وكما ترى سلامة، لم تكشف هذه التهديدات عن قوة جيوسياسية مطلقة بقدر ما أضاءت على القيود التي تمنع واشنطن من استخدام قوتها.
وتزداد المشكلة تعقيدًا بحقيقة أن الولايات المتحدة نفسها لا تملك رفاهية تحمل كلفة حرب اقتصادية طويلة. وقد طالت الحرب أكثر مما وعد ترامب، وارتفعت أسعار النفط والبنزين، وشكل التضخم مشكلة داخلية. وفي الوقت نفسه تراجع التأييد الشعبي للعمل العسكري ضد إيران إلى 31 في المائة- وفق استطلاع حديث أوردته المقالة. ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، يصبح فرض عقوبات شاملة قد ترفع الأسعار وتزيد الضغوط على قطاعات التكنولوجيا والصناعة والمال مقامرة سياسية خطيرة أيضًا. وإذا كانت الإدارة تواجه مسبقًا كلفة الحرب، فإن تحويل العقوبات إلى أزمة مالية عالمية قد يجعل الداخل الأميركي نفسه أكثر مقاومة لاستمرار إستراتيجية الضغط.
لذلك، تبدو العقوبات الجديدة، في قراءة سلامة، جزءًا من تعميق المأزق أكثر من كونه خطة للخروج منه. وقد فشلت الحملة العسكرية في تحقيق الحسم السريع. وتقلصت الخيارات العسكرية مع استنزاف مخزونات الذخائر. ولم تنتج العقوبات والحصار والضغط المالي الاستسلام الذي وعدت به واشنطن. وكلما فشل خيار، هددت الإدارة بشيء أكبر من دون أن تمتلك القدرة السياسية والاقتصادية على تنفيذه كاملًا. وبذلك تتحول فكرة «الضغوط القصوى» من إستراتيجية إكراه لإيران إلى سلسلة من الإنذارات التي تكشف فقط حدود القوة الأميركية أكثر مما تؤكدها.
بحسب سلامة، لن تنجح العقوبات على إيران لأن المشكلة لا تتعلق بافتقار واشنطن إلى اجتراح عقوبة أشد بقدر ما تتعلق بحقيقة أن الأدوات التي استخدمتها لعقود لم تستطع تحويل القوة الاقتصادية إلى أداة حاسمة لفرض واقع سياسي إيراني جديد. ثمة إيران مالكة لخبرة طويلة في مقاومة العقوبات، وشبكات اقتصادية بديلة، ودعم قوى دولية كبرى، واستعداد لتحمل كلفة الصراع. وثمة ولايات متحدة أصبحت هي نفسها مقيدة بكلفة التصعيد على اقتصادها وحلفائها ونظامها المالي.
ربما تفضي العقوبات إلى مضاعفة الألم، لكنها لا تضمن تغيير السلوك. بل إنها قد تدفع إلى مزيد من المواجهة وإعادة تشكيل الاقتصاد العالمي بعيدًا عن قدرة واشنطن على استخدام الدولار كسلاح. وكما تقترح خلاصات مقال سلامة، تبدو الحملة الاقتصادية على إيران مرشحة للالتحاق بالحملة العسكرية: تستطيع كلتاهما إلحاق أضرار جسيمة بإيران- وإنما تعوزهما القدرة على تحقيق الهدف السياسي الذي أعلنت واشنطن الحرب والعقوبات على البلد من أجله.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية