اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

تهاني روحي تكتب: وحياة قلبي وأفراحه.. وفواتيره أيضا

{title}
أخبار الأردن -

 

تهاني روحي


دُعيت هذا الصيف إلى عدد لا بأس به من حفلات التخرج، وفرحت في كل مرة وأنا أرى شابًا أو شابة يقطفان ثمرة سنوات من التعب، وتلتف حولهما العائلة والأصدقاء. فالتخرج ليس شهادة تُعلق على الحائط فحسب، بل نهاية رحلة وبداية أخرى، ولحظة يحتاج فيها الأبناء إلى أن يسمعوا ممن يحبونهم بأنه رأينا تعبكم، ونحن فخورون بكم.
 

أنا لا أكتب ضد الفرح، ولا أدعو إلى التقشف. فالاحتفال حاجة إنسانية، ومشاركة الفرح من أجمل عادات مجتمعاتنا. لكن الفرق كبير بين فرح يجمعنا واحتفال يرهقنا، وبين مناسبة نصنعها لمن نحب، وأخرى نصنعها لعيون لا نعرف معظم أصحابها.
في ذاكرتنا الاجتماعية، كان الفرح يمتد خارج البيت، أطباق الكنافة تصل إلى الجيران، وأقارب يشاركون في التحضير. لم تكن المناسبات كلها بسيطة، ولم يكن الماضي خاليا من المبالغة، لكن المشاركة كانت جوهر الاحتفال في كثير من الأحيان؛ كان الناس يصنعون المناسبة معا، لا يكتفون بمشاهدتها عبر صفحات التواصل الاجتماعي.
فاليوم أصبحت بعض المناسبات أقرب إلى إنتاج بصري كامل،  خلفيات وزينة، ومصممون ومصورون، ومقاطع ريلز معدة بعناية، إلى جانب الألعاب النارية والمواكب الصاخبة. وقد تكون هذه التفاصيل جميلة ومحببة لمن يرغب فيها ويستطيع تحملها. المشكلة ليست في الزينة ولا في الزفة، بل في اللحظة التي يتحول فيها الخيار الشخصي إلى معيار اجتماعي، والتعبير عن المحبة إلى واجب نخشى التراجع عنه. وهكذا، من دون أن يقرر أحد شيئًا بمفرده، يجد الجميع أنفسهم في مزاد علني لا يعرفون متى دخلوه، ولا كيف يخرجون منه من دون أن تبدو فرحتهم أقل من فرحة الآخرين.
ولا يمكن تجاهل أن موسم التخرج بات موسمًا اقتصاديا قائما بذاته. فقد حدثتني صاحبة صالون نسائي في عمان أن موسم التخرج، خلال السنوات القليلة الماضية، فاق مواسم الخطوبة والأعراس، وأن قطاعات كثيرة باتت تنتظره وتروّج له. وهذا مفهوم؛ فالاحتفالات تحرك السوق وتفتح أبواب الرزق. فما ينعش السوق قد يرهق ميزانية الأسرة، خصوصا حين لا تعود كلفة الاحتفال خيارا، بل شرطا غير معلن لإثبات حجم الفرح.
لقد باتت حفلات السوشال ميديا تتعبني، وأظن أنها تتعب كثيرين غيري؛ لأنها تدفعنا إلى النظر إلى مناسباتنا من الخارج، كيف ستبدو؟ كم شخصا سيشاهدها؟ كم (لايكا) ستحصد المقاطع؟ وهل ستقارن حفلاتنا بما نشره الآخرون؟ وفي انشغالنا بإنتاج صورة عن الفرح، قد يفوتنا أن نعيش الفرح نفسه.
المسألة، في النهاية، ليست في البهرجة وحدها، بل فيمن يملك القرار، هل نحن من يختار شكل فرحنا وحجمه، أم أن الخوارزمية غير المرئية، ومعها نظرات الناس وتوقعاتهم، تختار بالنيابة عنا؟
الفرح الحقيقي لا يحتاج إلى جمهور واسع كي يثبت وجوده. ربما يكفيه بيت مفتوح، وأقارب يشاركون، وجيران تصل إليهم الحلوى، وضحكة من القلب. فالبساطة ليست عجزا، كما أن المبالغة ليست دائمًا دليلا على الفرح.
أبناؤنا يستحقون أن نفرح بهم وأن يشعروا بأن تعبهم مقدّر، لكنهم لا يحتاجون إلى أن يتحول إنجازهم إلى منافسة بين العائلات، أو إلى فاتورة تظل الأسرة تسددها بعد مغادرة المدعوين.
ربما كانت هذه مجرد فضفضة بعد موسم طويل من الدعوات والتهاني والفواتير، لكنها فضفضة يعرفها كثيرون… وإن كانوا سيقرأونها في طريقهم إلى حفلة أخرى.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية