الطويقات يكتب ...حين يُبدّل الحُلم ثوبَهُ
د. أجمل الطويقات
في مديح الفأل الحسَن وإعادة تعريف النّجاح ...
هل يتغيّر الحُلم، أم أنّنا الذين نكبر فنراه بصورة مختلفة؟
كان رسول اللّه ﷺ يحبّ الفأل الحسَن، ويُعجبه الاسم الطيّب والكلمة المُبشِّرة. قد لا يتحقّق كلّ ما حلمنا به… لكن يمكن لكلّ ما يحدث لنا أن يصبح بداية أجمل ممّا حلمنا.
كبرنا ونحن نظنّ أنّ الطّريق سهل ومستقيم، وأنّ النّجاح عنوان واحد لا يتبدّل، ثمّ اكتشفنا — بعد مسافة من المسير — أنّ الحياة لا تمشي وفق الخرائط الّتي رسمناها في دفاتر الطفولة، بل وفق حكمة إلهية أوسع وأعمق.
منّا مَن لا يحلم لنفسه فقط… بل يحلم وهو ينظر إلى وجوه أبناء وطنه، ويظنّ — ببراءة جميلة — أنّ كلّ درجة يصعدها ستمنحه قدرة أكبر على خدمتهم.
نقضي أعمارنا نصعد السّلَّمَ، درجةً درجةً، ليس لأنّ الصّعود مغرٍ بذاته، ولكن لأنّنا نريد أيضًا أن نتموضع في موقع أقرب إلى القرار، أوسع أثرًا، وأصدق خدمة لهذا البلد الذي منحَنا أسماءنا الأولى.
كبرنا قليلًا… فاكتشفنا أنّ السّلّم لم يكن الهدف، بل القدرة على العطاء.
والوطن ليس شعارًا يُقال، بل مسؤوليّة تُحمل. فكبر الحلم معنا، وأخذ شكلًا رسميًّا مهذّبًا، بدلة أنيقة، مكتبًا واسعًا، بابًا يُطرق قبل الدّخول.
لكنّ الحياة تقول لنا في كلّ مرّة: “جرّب أن تخدم دون هذا الباب، وسترى المساحات الّتي لم تنتبّه لها.”
الحقيقة الّتي لا نعترف بها سريعًا: نحن لا نتعلّق بالمقاعد، بل نتعلّق بالصّورة الّتي نرى فيها أنفسنا ونحن نؤدّي واجبنا كما ينبغي.
نريد أن نُطمئنَ الطّفل الّذي في داخلنا أنّ جهده لم يذهب سدًى، وأنّ الطّريق من البيت إلى المدرسة، ومن الجامعة إلى مؤسّسات الوطن، لم يكن مرورًا عابرًا.
لكنّ المفارقة الجميلة أنّنا — في كثير من الأحيان — نكون قد خدمنا بصدق، وتركنا أثرًا طيّبًا في نفوس أجيال وفيّة، وليس كل ما طمحنا إليه تحقق.
ثمّ أدركنا عنوةً أنّ هذه حالة نضج، وثقة بأنّ تدبير اللّه أوسع من خططنا… وألطف بنا ممّا نظنّ. قال تعالى: ﴿ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾
أحيانًا نُحال من فسحة إلى مساحة أرحب، ومن لقب إلى حرّيّة، ومن جدول مزدحم إلى وقت نسأل فيه أنفسنا: كيف نواصل العطاء بصورة أصدق؟ بعد سنوات من الركض، نكتشف أنّ خدمة الوطن لا تحتاج دائمًا إلى منصّة عالية، بل إلى قلب حاضر مُحبّ، وفكرة ناضجة، وكلمة مسؤولة.
ولا شكّ أن النّجاح الحقيقيّ هو بقاؤك وفيًّا لقيمك، مُحبًّا لوطنك دون ضجيج.
الحلم يبقى حيًّا مهما تغيّر شكله، وسنمضي في طريقنا. وإن أُغلق باب ظننّاه أقرب الممرّات، فاللّه قد يفتح لنا طرقًا أوسع لنواصل بها خدمة هذا الوطن الذي نسكنه كما يسكننا.







