فريهان الحسن تكتب: مطر وضياع.. واقتراب من ذاكرة رمادية
فريهان سطعان الحسن
لا أخطط لمكان معين، بل أترك الطريق يختار ما يراه مناسبا، لذلك لم أمانع بالسير في وجهة لم أعتد عليها. أقنعت نفسي بأن الطرق، أحيانا، هو من يختارنا، وربما لأسباب قد تظل طي الغيب، أو من أجل أن يضعنا أمام اختبار القوة أو الضعف.. وربما اختبار الإنسانية.
السماء الملبدة بغيوم شاحبة، والبرد المنسل إلى العظام بصمت، والمدينة التي تمضي في صخبها المعتاد، جميعها لم تكن آبهة بالقلق الذي كان يتشكل في قلب شارع صغير، ويضطرني إلى أن أعبر نحو خيار لم يكن مجرد انعطافة عابرة في شارع جانبي، بل لحظة كثيفة بالحضور الإنساني، تباطأ فيها الزمن نفسه ليفسح مساحة لشيء أعمق من المصادفة.
المشهد الأول: عاملة منزل تقف في وسط الطريق. تعجز عن إخراج الكلمات من فمها، وهي ترتجف وتتكسر أنفاسها بين البكاء ومحاولات الشرح. "ماما ضاعت"، صوتها جاء متقطعا ومملوءا بالخوف. لم يكن بكاؤها عابرا، بل صرخة عجز تبحث عمّن يصغي إليها.
تطلبني الأمر ثواني عديدة قبل أن أستوعب الحدث الغامض الذي قادتني الصدفة لاختباره. عاملة منزل وحيدة بعيدة عن وطنها تبحث عن سيدتها المسنّة التي خرجت من البيت واختفت في الشوارع، حاملة معها سنواتها الثمانين.. ومرض ألزهايمر.
في تلك اللحظة، آمنت أن الطريق الذي اخترته لم يعد مجرد مسار شخصي، بل مهمة أوكلني بها القدر، وأوجبتها الإنسانية. تركت العاملة خلفي، وانطلقت أبحث في الشوارع القريبة، بينما رحلة أخرى انطلقت داخل خيالي الموجوع، ورأسي المثقلة بسيناريوهات لا أريد لأي منها أن يتحقق، فيما أسأل نفسي: أين تذهب سيدة تائهة في برد المساء، أين تذهب مسنة مريضة تاهت قدماها في البرد والمطر والشوارع غير الرحيمة!! الشوارع لا تكون أليفة لمن هم في تمام عافيتهم، فكيف لمسنة تحمل ذاكرة رمادية أن تتدبر خطواتها فيها!!
مر الوقت بطيئا يتلوى، والشوارع تتحول إلى احتمالات مفتوحة بأبنية ذات نوافذ كشاهد صامت على قصة مجهولة التفاصيل. كنت أبحث بعينين متوترتين، لكن شيئا في داخلي كان يبحث أيضا عن معنى أعمق من مجرد العثور على سيدة ضائعة؛ كنت أبحث عن طمأنينة ما، وكأنما أبحث عن نفسي.
المدينة تتواطأ مع القسوة، وتتعمد إخفاءها عني، بينما السيارات تمر مسرعة بوجوه ذاهلة تنزلق خلف الزجاج. تساءلت: ترى؛ كم من الناس مروا قربها ولم ينتبهوا إلى ارتعاشة خطواتها؟ وكم من النظرات العابرة رأت هشاشتها لكنها فضلت أن تمضي دون أن تتورط في قلق الآخرين؟
عند زاوية شارع جانبي، شعرت بدفء يسحب قلبي. لم يكن ثمة صوت حقيقي، ولكنْ حدس غامض. قرب جدار باهت وقفت سيدة صغيرة الحجم، ترتدي ثياب المنزل. خطواتها مترددة، وعيناها تبحثان عن مجهول. لم تكن تبكي، لكن وجهها كان يحمل خوفا صامتا لا تحسن التعبير عنه.
كمن يقترب من ذاكرة قابلة للكسر تبسمت لها، حاولت أن أجعل صوتي مطمئنا، وأن لا أطرح أسئلة مركبة. لكن أسئلتي البسيطة لم تجد جوابا. ثمة فراغ في كل ما يحيط بها.
بصمت طفولي جلست جانبي في السيارة. عيناها تمسحان الطريق بذهول، فيما ظلت أسئلتي التي أعيدها عليها من دون إجابة. "إنت رح تاخديني ع بيتي؟". سؤالها جاء مع التفاتة نحوي، وبصوت خافت، اتبعته بابتسامة مربكة وهي تضيف "بس أنا ما بعرف وينه".
صوتها أسقط كل المسافات بيننا. شعرت أنني أرافق روحا تبحث عن نقطة ارتكاز في عالم بدأ يتلاشى من حولها. والمدينة تمر خارج النافذة كفيلم بلا صوت. أضواء المحال، ظلال المارة، رائحة المطر الخفيف. كل شيء بدا عاديا جدا، لكنني كنت أعبر معها طبقة خفية من الزمن. تساءلت في نفسي: ماذا يحدث داخل رأسها الآن، وأي عالم رمادي تخفيه وراء هذه النظرة الذاهلة؟!
لاح لي باب المنزل مفتوحا قليلا، وعند عتبته وقفت العاملة شاحبة الوجه، كأنها تحرس الأمل الأخير. ما إن رأتنا حتى اندفعت نحونا، لا بكلمات كثيرة، بل بعينين تلمعان بالامتنان والإنهاك معا.
في داخل البيت الذي بدا بسيطا، تدفق دفء مختلف فيما هي تجلس على الأريكة وتتلفت حولها. لعلها تتأكد أن المكان يعرفها، أو أنها تعرفه. بدا المشهد كالسحر الذي لا أستطيع إكمال متابعته، فقلت في نفسي إن مهمتي انتهت، وعلي المغادرة.
قبل أن أغادر، مدت السيدة يدها نحوي. لم تقل شيئا واضحا، لكن قبضتها كانت دافئة على نحو غريب. شعرت أن اليد لا تمسك بي فقط، بل تقول إن الإنسان قد يفقد ذاكرته، لكنه لا يفقد قدرته على الشعور بمن يقترب منه بصدق.
خرجت إلى الشارع وقد تغيّر إيقاع المدينة في داخلي. لم تعد الضوضاء مزعجة كما كانت، بل بدت كخلفية بعيدة لقصة بسيطة حفرت عميقا في داخلي. فكرت بقسوة ألزهايمر، هو ليس مجرد مرض يسرق أسماءنا، بل اختبار يومي لإنسانيتنا تجاه من اضطروا لاختباره. وفيما أن أقود عائدة إلى بيتي، ظل السؤال يتردد دون توقف: كم مرة نجتاز أشخاصا يحتاجون إلى التفاتة صغيرة فقط؟







