منصور يكتب: لماذا فشلت المساعدات في إحداث تنمية؟

{title}
أخبار الأردن -

 

د.عاصم منصور


لقد كان من أول القرارات التي اتخذها الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلغاء وكالة التنمية الدولية الأميركية (USAID)، معتبرا إياها مؤسسة "غير كفؤة" تستهلك مليارات الدولارات دون تحقيق نتائج ملموسة وهذه ليست المرة الأولى التي تكون فيها هذه المؤسسة في مرمى سهام ترامب فقد حصل الشيء نفسه خلال ولايته الأولى. لكن هذا القرار أعاد إلى الواجهة سؤالا قديما: أين تذهب هذه الأموال الطائلة التي تنفقها الدول الكبرى على شكل مساعدات للدول الفقيرة؟ ولماذا فشلت هذه الأموال في إحداث الأثر المأمول في التنمية ومحاربة الفقر؟ وكيف يمكن أن تُنفق الدول الغنية تريليونات الدولارات على المساعدات الخارجية، بينما ما يزال الملايين يقضون بسبب أمراض يمكن علاجها وسوء تغذية يمكن الوقاية منه؟ 
 

يجيب الاقتصادي ويليام إيسترلي، في كتابه "عبء الرجل الأبيض"، بأن المساعدات الخارجية فشلت بسبب مزيج من الفساد، والطموحات المفرطة، وضعف الكفاءة، فبحسب إيسترلي فإن "الفقراء لا يموتون فقط بسبب لا مبالاة العالم، بل بسبب الجهود غير الفعالة من قبل أولئك الذين يهتمون بمعاناتهم" ويطرح تمييزًا جوهريًا بين نوعين من الفاعلين في مجال التنمية: "المخططون عن بعد" و"الباحثون في الميدان".
فالمخططون هم صانعو السياسات الكبرى، مثل أهداف الألفية للتنمية أو حملات إنهاء الفقر، الذين يضعون إستراتيجيات ضخمة من الأعلى إلى الأسفل، وهذه الخطط، رغم طموحها، غالبًا ما تكون يوتوبية ومضللة، وتعكس تصور الغرب أو "الرجل الأبيض" الذي يرى في نفسه مخلصا عليه أن ينقذ بقية العالم. لكن الواقع أن هذه البرامج، التي تهيمن على المساعدات لعقود، تعاني من غياب المساءلة، وضعف المعرفة بحاجات الناس الحقيقية.
في المقابل، يبرز "الباحثون" كنموذج بديل، فهم الفاعلون المحليون الذين يبدأون من مشاكل محددة، ويجربون حلولًا صغيرة قابلة للقياس، ويعتمدون على التغذية الراجعة من المستفيدين. 
يرى إيسترلي أن أسباب فشل المساعدات متعددة، أولها أن البرامج الكبرى تتطلب العمل مع حكومات غالبًا ما تعاني من الفساد والبيروقراطية، مما يؤدي إلى اختلاس الأموال وتضييق فرص النجاح. كما تتحمل الدول الغربية نصيبا من الفشل عندما تستخدم هذه المساعدات كأداة لنشر الديمقراطية حسب مفهومها لها علما أن هذه الثقافة لا تفرض من الخارج وأنما تنمو عضويًا من داخل المجتمعات، كما أنه لا يخفى على أحد أن هذه المساعدات تربط في كثير من الأحيان بمواقف سياسية واقتصادية تضعها دوما في مجال الريبة والتوجس من قبل المجتمعات المستهدفة، أما غياب المساءلة فيسمح باستمرار الفشل دون عواقب.
لذلك، يدعو إيسترلي إلى إعادة النظر في بنية هذه البرامج وطريقة إدارتها ووسائل تقييمها وإلى زيادة الشفافية والمساءلة، وإشراك القطاع الخاص في تقديم الخدمات، مع الحفاظ على دعم الفقراء بشكل مباشر. ويقترح نظاما لتقييم وكالات المساعدات، بحيث تحصل الأكثر كفاءة على التمويل، بينما يتم إجبار تلك الأقل كفاءة على التحسين أو الانسحاب. 
يؤكد إيسترلي أن هذا النقد لا يعني الدعوة إلى تقليص المساعدات، بل إلى إعادة التفكير بواقعية في ما يمكن أن تحققه، فالمساعدات وحدها لن تنهي الفقر، بل يجب أن تكون دعما متواضعًا ومؤقتا يخفف من معاناة المحتاجين، بينما تقود المجتمعات نفسها جهودها نحو التنمية، متسلحة بالأفكار والخطط التي تناسب وضعها المحلي.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية