الخيطان يكتب: مرحلة الخسائر الفادحة
فهد الخيطان
هكذا يمضي الضم على نحو أفضل وأيسر مما كانت تخطط له حكومة نتنياهو. إعلان واحد كبير وصريح بضم الضفة الغربية المحتلة، سيكون استفزازا لا يطاق من العالم، يزيد من عزلة إسرائيل، ويحرج إدارة ترامب الساعية لكسب ود دول عربية أبرمت معها اتفاقيات اقتصادية بمئات المليارات.
إدارة ترامب رفضت بشكل صريح خيار الضم الشامل، لكن خطوات صغيرة ومتلاحقة كالتي شرعت بها إسرائيل منذ أسابيع، تبدو مقبولة ولا تستدعي أي تعليق من البيت الأبيض.
سموتريتش، التقط الرسالة بعد زيارة لواشنطن العام الماضي. الضم الفعلي والمفيد لا يكون بإعلانات كبرى غير قابلة للتطبيق على الأرض، بل بقرارات مفصلية تسمح وبشكل "قانوني" لإدارة الاحتلال بالاستيلاء على أراضي الضفة الغربية، بالتزامن مع مشاريع استيطانية واسعة النطاق حول القدس.
الخطوات تلتقي عند هدف واحد؛ السيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الأراضي، وهندسة التهجير بطريقة سلسلة، تفضي في نهاية المطاف إلى فرض أمر واقع لا يمكن تجاوزه في المستقبل.
التقديرات أن قرارات سموتريتش الأخيرة بتحويل أراضي الضفة الغربية إلى أملاك دولة، ستمكن حكومة الاحتلال من الاستيلاء على 15 % من مساحة الضفة الغربية خلال السنوات الأربع المقبلة.
لا قوة قادرة اليوم على وقف هذا المشروع الاستيطاني الأكبر منذ عام 1967 . الإدارة الأميركية بيدها كل المفاتيح، لكنها وبالأساس غير مقتنعة بحل الدولتين، وترى في المسارات البديلة خيارات أكثر واقعية لتأمين حياة الفلسطينيين بلا دولة مستقلة.
النظام العربي الرسمي، والقوى المؤثرة فيه لا تملك أي فرصة للتأثير على مواقف واشنطن. التحولات التاريخية التي يمر فيها النظام الدولي، تضع الجميع في دائرة الاستهداف. وليس ثمة دولة أو كيان إقليمي مستثنى من تلك التحولات، حتى الاتحاد الأوروبي الذي طالما ساند الحقوق الفلسطينية، يصارع اليوم للنجاة من خطر وجودي يهدد دوله وشعوبه.
المشروع الصهيوني وعلى المدى المنظور، يسعى للسيطرة على أوسع قدر ممكن من الأراضي الفلسطينية، وحشر الفلسطينيين- بعد أن استحال تهجيرهم- بأضيق مساحة متبقية، وتحويل السلطة الفلسطينية، شبه المنهارة، إلى هيئة مدنية تدير حياة السكان اليومية.
فلسطينيا، تبدو الحالة في مدن الضفة الغربية، وعلى خلاف ما يقال عن "حالة غليان" هادئة إلى حد كبير على المستوى الشعبي. القمع الرهيب الذي مارسه الاحتلال الإسرائيلي بشكل أكبر بعد السابع من أكتوبر، والاجتياحات الواسعة لعدد من المخيمات والبلدات، تركت أثرها على حركات المقاومة والاحتجاج. ولا ننسى بالطبع الحواجز الإسرائيلية التي قطّعت أوصال الضفة الغربية، وحولّت حياتهم إلى جحيم يستحيل معه التواصل بين المجاميع الأهلية.
بهذا المعنى الانتفاضة الشعبية قياسا على الانتفاضتين السابقتين في التاريخ الفلسطيني الحديث ليست واردة بالظروف الحالية. الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال لم يعد يحتمل مواجهة دموية مع الجيش الإسرائيلي. ما حل في غزة بعد السابع من أكتوبر ثقيل على الجميع، ولا يستطيع الفلسطيني في الضفة الغربية أن يسقطه من حساباته.
بعد السابع من أكتوبر، كان عنوان التحركات السياسية والدبلوماسية العربية والإقليمية، هو تقليل الخسائر قدر المستطاع في مواجهة قوة عدوانية ساحقة تضرب على كل الجبهات وبدعم من أكبر قوة في العالم.
أظن أن هذا الهدف على تواضعه وواقعيته، لم يعد ممكنا. إنها باختصار مرحلة الخسائر الفادحة.







