ملكاوي يكتب: تجارة المخدرات في سورية.. من يديرها اليوم؟
موفق ملكاوي
حين سقط نظام بشار الأسد في كانون الأول (ديسمبر) 2024، بدا وكأن واحدة من أكثر شبكات الجريمة المنظمة تعقيدا في المنطقة قد تعرضت لزلزال كبير. فالنظام الذي حول سورية لمركز إقليمي لصناعة الكبتاغون وتهريبه، كان جزءا من بنية اقتصادية وأمنية وعسكرية تشابكت فيها الحرب مع الجريمة المنظمة، وتداخل فيها النفوذ مع المال والسلاح والحدود المفتوحة.
خلال الأشهر الأولى من سقوط النظام، تراجعت عمليات التهريب نسبيا، وبدا أنها فقدت جزءا من انتظامها السابق، وظهرت حالة من الارتباك داخل الشبكات التي كانت تعمل تحت مظلة معروفة، أو ضمن توازنات واضحة. لكن ما حدث لاحقا كشف أن تجارة المخدرات «استوطنت» سورية، وتحولت إلى اقتصاد قائم بذاته، وقادر على إعادة إنتاج نفسه حتى بعد انهيار الرؤوس الكبرى.
حاليا، لا يكاد يمر يوم من دون إعلان أردني عن إحباط محاولة تهريب جديدة، بأساليب مبتكرة ومتطورة ومتنوعة، ما يعني أن الشبكات استعادت جزءا كبيرا من قدرتها التنظيمية والمالية، فمن الذي يدير هذه العمليات الآن؟ وهل نحن أمام بقايا شبكات النظام السابق فقط، أم تحالفات جديدة تشكلت داخل الفراغ السوري؟
يجب أن نكون حذرين ومسؤولين في محاولة التأشير إلى المسؤولية الحالية، بعيدا عن الاتهامات المجانية أو الروايات الشعبوية السهلة. لكن الوقائع المتراكمة تسمح بتحليل أكثر عمقا لطبيعة البيئة التي تنتج هذا النوع من الاقتصاد الأسود. ففي الدول المنهارة أو شبه المنهارة، تتحول الجريمة من نشاط جانبي إلى بديل اقتصادي كامل. الحرب السورية دمرت قطاعات الإنتاج التقليدية، وأضعفت مؤسسات الدولة، وخلقت مناطق خارجة عن السيطرة، أنتجت آلاف المقاتلين والوسطاء والسماسرة الذين اعتادوا اقتصاد الحرب، فأصبحت تجارة المخدرات واحدة من أكثر الأنشطة قدرة على البقاء وتوفير السيولة، في ظل سلطة رخوة، وحدود مضطربة، وطلب إقليمي قائم.
اختزال الملف في «عصابة» أو «مجموعة محددة» قد يكون تبسيطا مضللا، فالأرجح أننا أمام شبكة مصالح واسعة ومتغيرة، تضم مهربين محليين، وبقايا تشكيلات مسلحة، وأطرافا عابرة للحدود تستفيد من الفوضى السورية المستمرة، فحين تصبح المخدرات مصدرا رئيسيا للمال في بيئة فقيرة ومنهكة، فإن كثيرين يدخلون اللعبة، بدافع البقاء أو الربح.
هذا التفسير الاجتماعي والاقتصادي لا يعني تبرير الجريمة أو تخفيف خطورتها، فالمخدرات مشروع تدمير طويل الأمد للمجتمعات، والأردن الذي وجد نفسه في خط المواجهة المباشر مع الظاهرة، يدفع كلفة أمنية واقتصادية واجتماعية متصاعدة، في وقت تعاني فيه المنطقة أصلا من أزمات متراكمة.
شبكات التهريب تتعامل مع الأردن كسوق وممر نحو الخليج، ما يعني أن المملكة تواجه تحديا إقليميا يتجاوز حدودها، ونجاح الأجهزة الأمنية في إحباط مئات المحاولات خلال السنوات الأخيرة يكشف حجم الضغط الهائل الواقع على الحدود، وحجم الموارد التي تضخ في هذه التجارة.
في المقابل، لا يمكن الاكتفاء بالمقاربة الأمنية وحدها، مهما كانت ضرورية، فالحرب على المخدرات في المنطقة العربية غالبا ما تتجاهل البنية الأعمق التي تنتج الظاهرة، فليس هناك دراسات للاقتصاد الذي يولد هذه الشبكات، والفراغ السياسي الذي يسمح لها بالنمو، وأسباب الطلب المتزايد على المخدرات داخل المجتمعات العربية نفسها.
بعض المجتمعات العربية تتعامل مع المخدرات بوصفها مشكلة أمنية فقط، بينما هي مؤشر على اختلالات أعمق تتعلق بالبطالة وارتفاع منسوبات الإحباط والعنف، وهشاشة التعليم، وتآكل الأفق لدى الشباب. كل تجارة مخدرات ناجحة تحتاج إلى سوق مستهلكة، والسوق لا تنمو من الفراغ.
كما أن دول المنطقة لا تتعامل مع الملف من خلال تعاون إقليمي جاد لمواجهة الشبكات العابرة للحدود، فضلا عن أن هناك من يحاول إنكار حجم الكارثة أصلا، أو التقليل من حقيقة تحول سورية خلال سنوات الحرب إلى بيئة خصبة لهذا الاقتصاد الأسود، وكأن الاعتراف بالمشكلة أصبح موقفا سياسيا لا توصيفا واقعيا.
لا يمكن تجاهل أن استمرار الفوضى السورية، وتعدد مناطق النفوذ، وضعف الدولة المركزية، كلها عوامل تجعل من القضاء الكامل على هذه التجارة أمرا شديد الصعوبة. والأردن يخوض معركة حماية معقدة تخص حدوده واستقراره الاجتماعي. لكن هذه المعركة تحتاج إلى تعاون إقليمي حقيقي، وتجفيف اقتصادي لمصادر التمويل، ورؤية سياسية تعالج جذور الفوضى. الاقتصادات السوداء لا تموت بسهولة، خصوصا حين تنمو داخل الخراب الطويل.







