العثامنة يكتب: لا وقت للتخدير

{title}
أخبار الأردن -

 

مالك العثامنة


لوقت طويل عاشت الدولة الأردنية، رغم فقر الموارد وضيق الخيارات، على نمط قريب من دولة الرفاه الاجتماعي، وقد يسخر البعض من هذه الفكرة، لكن التأمل العميق في مسار الاقتصاد الأردني يكشف أن الدولة كانت تعيل أكثر مما تنتج، وتوظف أكثر مما تحتاج، وتدعم أكثر مما تستطيع، فالقطاع العام المتضخم كان أحد أشكال الإعالة، ودعم الطاقة والخبز والطحين كان شكلا آخر، والتقاعد المبكر تحول في جانب منه إلى باب واسع لاستنزاف منظومة الضمان والعمل والإنتاج، أما التعيينات التي صنعتها المحسوبية المقوننة ونيابة الخدمات، فقد أضافت إلى جسم الدولة دهونا بيروقراطية مشبعة، شلت حركته وأضعفت إنتاجيته.
 

المشكلة أن هذه البنية لم تعد قابلة للاستمرار، فالدولة التي كانت قادرة على امتصاص الغضب بالتوظيف والدعم، أو شراء الوقت بالتعليمات والاستثناءات، تجد نفسها اليوم أمام واقع جديد، الموارد محدودة، والمديونية ضاغطة، وفرص العمل لم تعد تولدها الحكومة، والاقتصاد الحديث لا ينتظر بيروقراطية تتحرك على إيقاع ختم وتوقيع ومزاج موظف.
لذلك فإن المطلوب ليس خطابا إصلاحيا ناعما، بل مراجعة جراحية للتشريعات والأنظمة والتعليمات التي تكبل الاستثمار والعمل والإنتاج، المطلوب نقل الدولة من عقلية الإعالة إلى عقلية التمكين، ومن منطق الدعم الأعمى إلى الدعم الذكي، ومن التوظيف السياسي إلى الإنتاج الحقيقي، ومن حماية الامتيازات الصغيرة إلى تحرير الفرص الكبيرة.
وهنا يصبح القطاع الخاص شريكا لا ملحقا يتم استدعاؤه عند الطلب، فهو جزء من الدولة بمعناها الصحيح، لا بوصفها حكومة فقط، بل بوصفها مجتمعا واقتصادا ومؤسسات، ومطالبته بتحمل عبء الاقتصاد الوطني مطلب شرعي وضروري، لكنه لا يستقيم من دون إنصاف هذا القطاع نفسه، بتشريعات تحرره وتحميه من تغول البيروقراطية والاستغلال السياسي، ومن تحويله إلى صندوق مفتوح للترضيات والجبايات والضغوط، وفي المقابل لا بد من حماية الدولة والمجتمع من تغول القطاع الخاص حين يتحول من شريك في التنمية إلى قوة ضغط على القانون والعدالة، فالعلاقة الصحيحة بين الجهاز الحكومي والقطاع الخاص لا تبنى بالمجاملات ولا بالعداء، بل بقانون واضح يرسم الحدود، ويحمي الاستثمار، ويحمي العامل، والأهم أنه يحمي المصلحة العامة.
هذه عملية موجعة، نعم، وربما لا وقت فيها للتخدير، فقد تعود الأردنيون طويلا على دولة ترمم الخلل ولو بالديون، وتوزع ما لا تملك، وتؤجل الكلفة إلى الغد، لكن ها هو قد وصل الغد، والخيار اليوم ليس بين الراحة والألم، بل بين ألم الجراحة الذي ينقذ الجسد، وألم الانهيار حين يصبح الجسد كله خارج السيطرة.
الأردن ليس بحاجة إلى تكسير مقومات الدولة، بل إلى إنقاذها من الأدوات التي أرهقتها، ولا يحتاج إلى التخلي عن الناس، بل إلى بناء نموذج جديد يحمي المحتاج فعلا، ويفتح الطريق أمام القادر على العمل والإنتاج، ويعيد تعريف العدالة لا بوصفها توزيعا للفقر، بل بوصفها فتحا عادلا لأبواب المستقبل.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية