أبو زينة يكتب: حرب إيران في سياقها الإمبريالي..!
علاء الدين أبو زينة
نشر موقع «موندويس» الشهر الماضي نص مقابلة أجراها مع الأكاديمي إيراني الأصل أفشان متين-أصغري، أستاذ تاريخ الشرق الأوسط في جامعة ولاية كاليفورنيا في لوس أنجيلوس. ويقدم أصغري في المقابلة قراءة تاريخية–تحليلية للعلاقة بين إيران والولايات المتحدة تضع الحرب الجارية في سياق أطول من مجرد اللحظة السياسية الراهنة. وفكرته هي أن فهم هذه الحرب لن يتحقق بمعزل عن البنية الإمبريالية التي حكمت العلاقة بين الطرفين منذ منتصف القرن الماضي. ويفلت هذا النهج السياقي من التسفيرات الاجتزائية الأحادية التي تبرر الحرب بتعمية النمط التاريخي المتراكم الذي أفضى إليها.
في الحوار، يفكك أصغري السردية التي تزعم أن بدايات العلاقات الأميركية–الإيرانية كانت ودّية وبريئة. وربما كان الحضور الأميركي المبكر في إيران في شكل إرساليات تبشيرية قد صنع قدرًا من التعاطف الشعبي، لكن ذلك الحضور لم يكن تمثيلًا للدولة الأميركية بقدر ما كان نشاطًا أهليًا محدود التأثير. وبحسب أصغري، جاء التحول الحقيقي في العلاقة مع قدوم القرن العشرين. كان ذلك هو الوقت الذي دخلت فيه المصالح الاستراتيجية -وخاصة النفط- على الخط، عندما شرعت الولايات المتحدة في التصرف كقوة صاعدة تنافس الإمبراطوريات التقليدية مثل بريطانيا وروسيا.
بلغ هذا التحول ذروته خلال الحرب العالمية الثانية، حين أصبحت إيران حلقة حيوية في الجهد الحربي للحلفاء، وظهر الوجود العسكري الأميركي المباشر على أراضيها. ومنذ تلك اللحظة، وفقًا لأصغري، ينبغي فهم العلاقة ضمن إطار إمبريالي واضح: بدأت الولايات المتحدة في التحول من شريك إلى التصرف كقوة مهيمنة تعيد تشكيل البيئة الدولية من خلال إعادة بناء أوروبا واليابان، وإنشاء «حلف شمال الأطلسي»، ونشر قواعدها العسكرية في أنحاء العالم.
وفق هذا السياق يقدم أصغري تفسيرًا لحدث محوري في التاريخ الإيراني الحديث، أزمة احتلال السفارة الأميركية في العام 1979، بوصفه «الثورة الثانية». بعد إسقاط النظام الملكي، لم تكن الدولة الجديدة قد تشكّلت بعد، وكانت السلطة موزعة بين قوى متعددة: ثمة عمال يديرون المصانع؛ وموظفون يتحكمون بالمؤسسات، وحركات إثنية تحمل السلاح في الأطراف. وكان التحدي الأكبر أمام الجمهورية الإسلامية الوليدة هو إعادة تركيز هذه السلطة المبعثرة في مركز واحد وسردية واحدة.
في ذلك المناخ، بحسب أصغري، جاء احتلال السفارة ليؤدي دورًا حاسمًا. لم يكن الحدَث خطة مسبقة رتبها روح الله الخميني، لكنه تحوّل سريعًا إلى أداة سياسية لإعادة تشكيل ميزان القوى الداخلي. وكان ما فعله هو أنه مكّن القيادة الجديدة من التعبئة على خطاب معادٍ للإمبريالية، وتوحيد صفوفها، وإقصاء خصومها بما سهّل ترسيخ نموذج الدولة الجديدة. وبهذا المعنى، تجاوز الحدث مجرد الأزمة الدبلوماسية ليكون لحظة تأسيسية أعادت تعريف طبيعة النظام الإيراني نفسه.
في رؤيته لتأثير الحرب الراهنة على بنية النظام الإيراني، يرى أصغري أن النظام الإيراني، على الرغم من الخسائر الهائلة -ومنها تصفية قيادات سياسية وعسكرية عليا- أظهر قدرة غير متوقعة على الصمود. ولا تعني هذه القدرة بالضرورة إمكانية الانتصار على تحالف أميركا/ الكيان، لكنها تعني القدرة على رفع كلفة الحرب وتحويلها إلى أزمة إقليمية وعالمية، باستهداف مصالح أميركا وحلفائها، والتأثير في أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.
يلاحظ أصغري أن النظام الإيراني بدا في هذه الحرب أقل اعتمادًا على مركز قيادي واحد مما كان يُعتقد. وقد استمرت مؤسساته في العمل حتى بعد ضرب «رأس النظام»، ما يشير إلى وجود درجة من اللامركزية أو التوزيع الوظيفي للسلطة، مع انتقال مطّرد للثقل إلى الحرس الثوري الإيراني. وربما تفسر هذه الخاصية، جزئيًا، قدرة النظام على التكيّف مع الضربات.
مع ذلك، لا يقلل أصغري من حجم الكارثة التي تواجهها إيران. لم تقتصر هذه الحرب على استهداف البنية العسكرية، وإنما تعدتها البنية لتستهدف البنية التحتية المدنية والمجتمع نفسه. ويعني ذلك أن أي بقاء للنظام سيكون مصحوبًا بضعف شديد في قدراته الاقتصادية والسياسية. وسوف يظل مستقبل النظام مفتوحًا على العديد من الاحتمالات: من الذهاب إلى مزيد من التشدد الداخلي إلى السعي إلى امتلاك سلاح نووي، من دون إمكانية الجزم بأيّ الاحتمالات أقرب إلى التحقق في ظل المناخات الضبابية الحالية.
في الإجابة عن سؤال تأثير هذه الحرب على موقع الولايات المتحدة عالميًا، يرى أصغري أن الحرب كشفت حدود القوة الأميركية بدل أن تعززها. لم تحظَ هذه الحرب بدعم الحلفاء الأوروبيين، وأدت إلى توتير العلاقات الدولية، وألحقت أضرارًا بالاقتصاد العالمي. كما أنها وضعت دول الخليج العربية في موقف حرج بعد أن جعلتها أهدافًا مباشرة بسبب استضافتها للقواعد الأميركية، وهو ما يدفعها إلى إعادة تقييم علاقتها بواشنطن.
ربما يكون الأهم من كل ذلك هو أن الحرب، في نظر أصغري، تُسهم في تقويض «النظام الدولي القائم على القواعد»، وتدفع في اتجاه منطق «قانون الغاب»، حيث القوة تُستخدم بحرية وبلا غطاء قانوني أو توافق دولي. وسوف تتجاوز التداعيات الإضرار بخصوم الولايات المتحدة إلى الإضرار بمكانة أميركا نفسها –وبحلفائها، وعلى رأسهم الكيان الصهيوني الذي يتحمل جزءًا كبيرًا من اللوم عن هذه المغامرة.
بطبيعة الحال، ليس متين-أصغري وحيدًا في الدعوة إلى فهم الصراع الحالي بوضعه في سياقاته التاريخية. إنه، بحسبه وبحسب آخرين، جزء من بنية إمبريالية أوسع ليست الحرب الحالية سوى تعبير مكثف عنها. لكن هذا الصراع يُظهر في الوقت نفسه حدود هذه الإمبريالية. وفي هذا التداعي الأخير دعوة إلى اختيار الاصطفافات على أساس إدراك التناقض الأوسع والاعتراف بمركزيته، وعمل ما ينبغي لتعديل الموازين المائلة، من دون التركيز على الكُلف.







