الخيطان يكتب: العراق وجيرانه

{title}
أخبار الأردن -

 

فهد الخيطان


عندما لا يتعاون جارك معك في إصلاح تسرب المياه من طرفه، فستضطر يوما ما إلى التصرف بمفردك، لرفع الضرر عن بيتك. علاقة العراق مع جيرانه، خاصة الدول الخليجية، قد تصل لهذه المرحلة بكل أسف.
 

أثناء الحرب على إيران، تحركت أذرع طهران العسكرية في العراق، لتنفيذ سلسلة من الاعتداءات اليومية على دول الجوار؛ الكويت والسعودية والإمارت، وهاجمت عدة مرات أهدافا ومصالح أردنية، دون أي مبرر.
لكن الأخطر من ذلك، أن هذه الفصائل واصلت اعتداءاتها على السعودية والكويت تحديدا بعد وقف إطلاق النار. لم تتجرأ بالطبع على مهاجمة أهداف أميركية أو إسرائيلية، إنما اختارت تأجيج العلاقات مع دول عربية شقيقة.
بدت الحكومة العراقية محرجة للغاية من هذه التصرفات، وفي كل مرة كانت تصدر بيانات الإدانة لمثل هذه الهجمات، وتتوعد منفذيها بالملاحقة. لكن اللهجة الحادة لم تكن كافية لردع هذه المجموعات، لأنها لم تقترن بأفعال ملموسة.
حتى قبل أيام قليلة، شنت مسيرات قادمة من العراق هجوما على السعودية، تم التصدي له من قبل الدفاعات الجوية، وهجوما مماثلا على الكويت. وثمة شكوك بأن الهجوم الخطير على المنشأة النووية الإمارتية، ربما يكون منطلقُه العراق.
في ذروة الحرب على إيران، حذر الأردن الجانب العراقي من مغبة الاعتداءات المتكررة من الفصائل العراقية. دول الخليج وجهت تحذيرات مماثلة. وأفادت تقارير إعلامية بأن دولا في المنطقة اضطرت للرد على هذه الهجمات، وضرب أهداف للميشيات العراقية التي تستهدف تلك الدول.
في بغداد اليوم حكومة عراقية جديدة، برئاسة شخصية تكنوقراطية، غير مرتبطة بأجندة سياسية خارجية كما يبدو، وتسعى لبناء علاقات حسنة مع دول المنطقة. واعتداءات مثل التي شهدنا مؤخرا، بحق دول خليجية، تندرج في سياق إفشال جهود هذه الحكومة لترتيب علاقاتها مع الجوار العربي.
يعلم الجميع أن العراق، ومنذ الغزو الأميركي الكارثي، وقع بين فكي كماشة؛ الاحتلال الأميركي من جهة، والنفوذ الإيراني الطاغي على المعادلة الداخلية من جهة ثانية. ومع مرور الوقت استحوذت إيران على معظم مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية. ولم يسمح للعراق بتطوير جيش قادر على حماية حدود البلاد والدفاع عنها، ولا قوات أمن تدين بالولاء للدولة الوطنية العراقية. وليس من دليل على هشاشة الحال في العراق أكبر من قصة القاعدة التي أقامتها إسرائيل على أراضيه، دون علمه، طوال فترة الحرب على إيران، وهناك رواية أخرى تقول إن إسرائيل أنشأت قاعدتين وليست واحدة.
عانى العراق كثيرا وما يزال يغرق في ذات الأوضاع، ولا يبدو مرشحا للخروج منها في وقت قريب، بحكم الهيمنة الإيرانية المتجذرة على مؤسساته، وفشل الإدارات الأميركية المتعاقبة في تأمين مصادر المنعة للحكومات العراقية.
طهران وفي صراعها مع التحالف الأميركي الإسرائيلي، تعتمد بشكل ملموس على الورقة العراقية كأداة ضغط ومساومة لتحصيل أكبر قدر ممكن من المكاسب في مفاوضاتها مع واشنطن. وفي حال فشل المهلة الأخيرة التي منحها ترامب لجهود الدبلوماسية، والعودة للمواجهة العسكرية من جديد، من المؤكد أن مليشيات إيران في العراق، ستكثف هجماتها على دول المنطقة، لإسناد الحرس الثوري، بوصفها ذراعا من أذرعه.
دول مثل السعودية لن تخضع لهذه المعادلة. في البيان الأخير للرياض تعليقا على الهجمات الأخيرة، تحذير صريح، برد سعودي" عملياتي" إذا لم تلجم الحكومة العراقية، الفصائل المسلحة.
مثل هذا التصعيد يمثل تحولا كبيرا في الصراع الإقليمي، قد يفتح جبهات حرب لا حدود لها مستقبلا، ويعيد تعريف العراق بوصفه مصدرا للتهديد كما كان قبل عقود لا جارا يضمن المصالح المشتركة.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية