عوض يكتب: التضخم بوصفه وجها آخر للحرب على إيران

{title}
أخبار الأردن -

 

أحمد عوض


لم تعد الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران قضية عسكرية أو جيوسياسية محصورة في الإقليم، بل تحولت إلى عامل ضغط مباشر على الاقتصاد العالمي كله. فإلى جانب التدمير والقتل وتعطيل الاستقرار، تدفع هذه الحرب الأسواق إلى موجة جديدة من القلق بسبب أثرها على الطاقة والنقل والتجارة وسلاسل الإمداد. ومن هنا يتجدد الخوف العالمي من التضخم، لأن الحروب الكبرى ترفع كلفة الغذاء والوقود والشحن والتأمين والإنتاج، وتحوّل أعباء الصراع إلى فاتورة يومية تدفعها الشعوب.
 

جوهر الخطر، يتمثل في التضخم. فهو لا يبقى رقما اقتصاديا في تقارير البنوك المركزية، بل يصبح أزمة معيشية واسعة. عندما ترتفع أسعار النفط والغاز والنقل، تنتقل العدوى بسرعة إلى أسعار السلع الأساسية والخدمات، من الخبز إلى الكهرباء، ومن النقل العام إلى الإيجارات. 
ومع بقاء معدلات التضخم العالمية مرتفعة أصلا منذ بداية الحرب، فإن أي تصعيد إضافي في الحرب يفتح الباب أمام موجة جديدة من الغلاء، وقد يدفع كثيرا من الاقتصادات إلى مرحلة أكثر قسوة من تباطؤ النمو وارتفاع الأسعار في الوقت نفسه، وهذا ما تتوقعه المؤسسات المالية الدولية.
السياسيون يخافون ذلك، لأن التضخم يضرب الشرعية الاجتماعية للحكومات. الناس لا يقرأون المؤشرات الاقتصادية الكلية بقدر ما يشعرون مباشرة بتآكل قدرتهم على شراء حاجياتهم الأساسية. وكلما ارتفعت الأسعار أسرع من الأجور، اتسعت الفجوة بين الدولة والمجتمع، وازدادت احتمالات الاحتقان والاحتجاج وتراجع الثقة بالسياسات العامة. لذلك يصبح التضخم في مثل هذه اللحظات خطرا سياسيا بقدر ما هو خطر اقتصادي.
البنوك المركزية، تخشى التضخم لأنه يربك أدوات تدخلاتها. فالحرب تدفع الأسعار إلى الأعلى من جهة العرض، لا بسبب زيادة الطلب الطبيعي، ما يجعل العلاج أصعب. رفع أسعار الفائدة قد يخفف الضغوط التضخمية، لكنه في المقابل يبطئ الاستثمار ويضغط على الشركات ويزيد كلفة الاقتراض. وهنا يظهر الوجه الأكثر تعقيدا للأزمة؛ كيف يمكن كبح الأسعار من دون خنق النمو ودفع مزيد من الناس إلى البطالة والفقر؟
المستثمرون أيضا لا ينظرون إلى التضخم بوصفه مجرد ارتفاع في الأسعار، بل باعتباره تهديدا للاستقرار المالي والعوائد المستقبلية. فكل زيادة في أسعار الطاقة والشحن تعني ضغوطا على الأرباح، وتقلبا أكبر في الأسواق، وترددا في قرارات الاستثمار طويلة الأجل. ومع غياب أفق سياسي لإنهاء الحرب، تصبح المخاطر أكبر على التجارة الدولية، وعلى سلاسل الإنتاج، وعلى ثقة الأسواق في المستقبل القريب.
لكن العبء الأشد يقع على الشعوب الفقيرة والطبقات الوسطى الهشة. فهذه الفئات تنفق الجزء الأكبر من دخلها على الغذاء والطاقة والسكن والنقل، أي على البنود الأكثر تأثرا بالحروب والتضخم. لذلك، فإن الحرب لا تكتفي بالتدمير المباشر فقط، بل تعمق أيضا التفاوت الاجتماعي، وتضرب الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وتضعف فرص العمل، وتضغط على الأجور الحقيقية، وتدفع مزيدا من العمال إلى الهشاشة أو البطالة. كما أنها تضر بمسارات التنمية في الدول النامية، لأن الموارد تتحول من التعليم والصحة والبنية التحتية والحماية الاجتماعية إلى إدارة الأزمات والديون والدعم الطارئ.
لا تقف آثار هذه الحرب عند حدود الميدان العسكري، بل تمتد إلى معيشة الناس واستقرار الاقتصادات حول العالم. فكل تصعيد جديد يعني ضغوطا أكبر على الأسعار، ومزيدا من الهشاشة الاجتماعية، واتساعا في كلفة الأزمات على الدول الفقيرة والطبقات الوسطى والفقيرة. لذلك، فإن وقف الحرب لم يعد فقط مطلبا سياسيا أو إنسانيا، بل ضرورة اقتصادية واجتماعية عاجلة لحماية الاستقرار العالمي وحقوق الشعوب في العيش الكريم.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية