العثامنة يكتب: فوضى المفاهيم وتضليل الوعي الجمعي

{title}
أخبار الأردن -

 

مالك العثامنة


في منطقتنا لا تموت الكلمات، بل يحدث لها ما هو أخطر، حيث يتم اختطافها، ثم تعاد "مفخخة" إلى الناس بمعاني مشوهة حتى يصبح الخوف منها أقوى من فهمها، وهنا تبدأ أزمة المجتمعات مع المفاهيم لا مع الوقائع.
 

خذ مثلا كلمة مثل "العلمانية"، وهي ربما واحدة من أكثر الكلمات التي تعرضت لعمليات تشويه منهجية عبر عقود طويلة، حتى ترسخ في وعي كثيرين أنها تعني الكفر أو العداء للدين أو الحرب على العقائد، بينما هي في جوهرها ليست دينا مضادا ولا أيديولوجيا مغلقة أصلا، بل منهجية لإدارة الدولة تقف على مسافة واحدة من الجميع، بحيث يصبح القانون فوق الانتماءات الفرعية، وتصبح المواطنة هي المعيار الوحيد للحقوق والواجبات، وهي ببساطة محاولة لتنظيم المجال العام لا لإلغاء الإيمان، لكن تراكم الدعاية والتخويف جعل الكلمة نفسها تبدو وكأنها إعلان حرب على السماء.
الأمر ذاته ينطبق على مفهوم "الليبرالية"، التي جرى اختصارها بصورة سطحية ومضللة إلى مجرد انحلال أخلاقي أو انفلات اجتماعي، بينما الليبرالية في معناها السياسي والتاريخي مرتبطة أساسا بفكرة الإصلاح السريع، وتوسيع الحريات، وتقليص احتكار السلطة، وحماية الفرد من تغول الدولة أو الجماعات، نعم، بعض من ادعوا الليبرالية قدموا أنفسهم بطريقة كارثية وأساءوا للمفهوم أكثر من خصومه، لكن الخطأ في التطبيق لا يلغي الفكرة نفسها، وإلا لوجب علينا إلغاء كل الأفكار البشرية بسبب سوء استخدامها.
حتى مفهوم "المعارضة" نفسه صار ضحية تشويش مشابه، فكل من يرفع صوته بات يعتقد أنه معارض سياسي، بينما المعارضة في معناها الحقيقي جزء من دورة ديمقراطية مكتملة، تقوم على التنافس بين برامج سياسية قابلة للتطبيق، لا على الغضب الشخصي أو الخصومات أو الرغبة في لفت الانتباه أو التربح السريع والمضمون.
هنا يحضر في خاطري توصيف الدكتور يوسف الربابعة ( في منشور ذكي تم تداوله بشكل واسع مؤخرا) والذي بدا لي دقيقا حين قال إن المعارضة هي الحزب الذي لم يحصل على الأغلبية في البرلمان، وينتظر الانتخابات المقبلة ليقدم برنامجه البديل، فإذا فاز انتقل إلى الحكم وعاد غيره إلى المعارضة، وبهذا المعنى، فإنه لا توجد لدينا معارضة بالمعنى السياسي المكتمل، بل حالات كثيرة من "الزعل السياسي" الذي يبحث أصحابه عن المراضاة أكثر مما يبحثون عن مشروع مختلف للدولة والمجتمع.
المشكلة أن المجتمعات التي تفقد المعاني، تفقد معها القدرة على الحوار، لأن الناس عندها لا تتناقش حول المفاهيم، بل حول الصور المشوهة التي زرعت في رؤوسها عنها، وهنا يصبح التضليل أخطر من الجهل نفسه.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية