أبو طير يكتب: هذا التطاحن في عمّان
ماهر أبو طير
هذه أكثر فترة تتفشى فيها الكراهية السياسية، ولا تجالس مسؤولا حاليا أو سابقا، إلا ويقدح غيره، بكل حدة ودون أدنى اعتراف بغيره.
هناك حالة اختناق لدى كثيرين، فالكل يريد موقعا، والكل يعتقد أن غيره فاشل، والكل يطلق النار على غيره في سياقات اعتبار ان المرحلة حساسة جدا، وأن لا أحد صالح من بين الموجودين، بل وصلت الامور أن نائبا سابقا لرئيس الحكومة في الأردن، اعتبر ان كل الموجودين في مواقعهم فشلة ولا بد من تغييرهم جميعا، وهو بحد ذاته كان يتعرض الى نقد هائل حين كان في موقعه وكان خصومه يطالبون برحيله وترحيله سريعا.
ما دمت في الأردن عليك أن تعرف أن عدد اعضاء البرلمان والأعيان والحكومة والمديرين العامين، غير كاف اصلا للترضية، وتوزيع التنفيعات، ولا بد من ابتكار أشكال جديدة للتكريم والوجاهة، دون أن ننسى هنا أيضا اعضاء البلديات والمجالس المحلية، ورؤساء الجامعات، والمحافظين، وما ينتج عن كل هذا المشهد من وظائف عليا ووسطى وألقاب وامتيازات ووجاهات ونفوذ مستتر.
ليس مهما إذا بقوا جميعا أو رحلوا، لأن الأهم اليوم تجاوز قصة الأسماء والحسابات والخصومات، والتنبه إلى أن أزمات الأردن باتت أكبر من كل هذه الكراهية السياسية، وحالة الكيد والتراشق، وإطلاق الإشاعات، ومن الملفت حقا أن تواجه البلد ضغوطا اقتصادية، ووضعا حساسا على صعيد ملفات دول الجوار، واحتمالات اندلاع حرب كبرى في المنطقة، ثم نجد بيننا من يتشاغل بالآخر، في سياقات تعد شخصية على الأغلب، ولا تعبر عن هموم وطنية، ولا حرص على المصلحة العامة، إلا في حالات نادرة لا يزاود أصحابها.
ليس هناك أصدق من الأردني العادي، لأن كل ما يريده هو حياة كريمة، وحفظ حقوقه، وتوفير فرص عمل، ومحاربة الفساد، وهو غير متورط بكل هذه الألعاب، وربما في مرات يتأثر بها، لكنه على التأكيد لا يطالب إلا بحقوقه، وهذه حقوق لا يختلف عليها احد، لكن يوظفها الباحثون عن وظيفة بدرجة عليا من اجل التباكي على الوطن، دون ان ننكر على احد حق النقد، فهو مشروع ما دامت الدوافع غير شخصية.
علينا ان نعترف ايضا انه لم يعد لدينا طبقة نخبة في اغلب القطاعات، لأن أغلب النخب هاجرت بعيدا وتركت البلد لنوعين، إما نخب يائسة مدعية لا تستحق لقب نخبة، وتبحث عن وظيفة عليا فقط، وإما مجموعة من المطحونين في هذه الحياة، وهذه إحدى أزماتنا، أي أننا خسرنا كل النخب السياسية والاقتصادية والاجتماعية الحقيقية لصالح نخب مصنعة، لا تنفعنا لا في الحرب ولا في السلم، وكان نزيفنا على صعيد نخب الإدارة العامة، مشكلة إضافية، لا يقف أحد عند كلفتها.
عمان السياسية بحاجة الى تأهيل لأن بعضنا على ما يبدو لا يعرف أين نقف، وماهية الأخطار، ويظن ان الوقت متاح للتطاحن، بدلا من التنبه إلى التحديات الثقيلة التي تلقي بوزنها فوق أكتافنا؟!.
والذي تراه البصيرة مسبقا، تستبصره العين لاحقا!







