منصور يكتب: اختبار التعديل الحكومي
نضال منصور
عند عودة الحياة البرلمانية عام 1989، كان الإعلام يهتم كثيرًا بتشكيل الحكومة، ويتابع عن كثب كل همسة عن تعديل وزاري. ومع مرور السنوات، أصبح هذا الأمر مملًا، وصار حديث التشكيل والتعديل مثل التنجيم. والأهم أن الشارع الأردني فقد اهتمامه، وبات يشعر أن عمليات التدوير الوزاري لا تستند إلى أسس من العدالة، ولا إلى معايير الكفاءة في الاختيار. وحتى استبعاد الوزراء يتم أحيانًا دون تقييم منهجي، وربما بسبب خلاف شخصي، أو مناكفات بين الرئيس والوزير.
للأسف، رغم كثرة الدعوات في السنوات الأخيرة إلى الحاجة الملحّة لوضع أسس معلنة لتشكيل الحكومات، تتناسب مع منظومة الإصلاح السياسي والاقتصادي والإداري، وأن يكون الاختيار مرتبطًا بقدرة الوزير على إنجاز البرنامج المكلّف به، إلا أن هذا لم يحدث. وقد حاول أحد الرؤساء السابقين الحديث عن تقييم لفريقه الوزاري قبل أن يجري تعديلًا، لكنه لم يملك الجرأة لكشف أوراق التقييم للإعلام والمجتمع.
المهم، منذ أيام تدور الإشاعات عن تعديل وزاري سيجريه الدكتور جعفر حسان على بعض أعضاء فريقه الحكومي، وبعض المواقع الإلكترونية نشرت أسماء الوزراء الذين سيأتون في التعديل مكان الوزراء الخارجين من سلطة الحكم. ورغم نفي الرئيس نيته تعديل الحكومة قريبًا، فإن هذه الأخبار سادت وانتشرت، وكأنها حقائق.
لا يحتاج الرئيس جعفر حسان إلى من ينصحه بعدم الخضوع للضغط، أو من يهمس في أذنه أن الملك لا يحب التعديلات المتكررة، وأن نمط اللجوء إلى التعديل الوزاري لإنعاش الحكومة، أو إطالة عمرها، لم يعد نهجًا مقبولًا ومرحبًا به. فالتعديل، أو إعادة التشكيل، يجب أن يرتبط بمبررات مقنعة، وبضرورات لا غنى عنها، وليس لاستبدال وزير هنا أو هناك.
أكثر ظاهرة لافتة في الأردن هي ظاهرة “المستوزرين”، وهم لا يملّون أو يكلّون من تقديم أنفسهم لصنّاع القرار على أنهم من سينقذ الحكومة من أزماتها، وأن الحلول بأيديهم وحدهم. وما يساعد هؤلاء على الحضور وترويج بضاعتهم، أن الحياة الحزبية لم تنضج في بلادنا، ليصبح هناك حزب أغلبية برلمانية يشكّل الحكومة من فريقه أيضًا، ويحاسب بعد ذلك على اختياراته، وما أنجزه. وما تزال معادلات التشكيل مرتبطة بالجغرافيا، والصداقات، وترشيحات مرجعيات الدولة.
مطلوب من رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان أن يقطع الطريق على هذا النمط من الضغط لتعديل الحكومات، فيخرج إلى العلن ليؤكد رسميًا إن كان هناك تعديل وزاري أم لا. وإن كانت هناك رغبة في التعديل، فعليه أن يملك الشجاعة ليحدد لماذا سيفعل ذلك، وما هي التحديات التي واجهته، وما هي نقاط الضعف، وما مواصفات الوزراء الذين سيأتي بهم؟
إن تطوير أدوات الحكم في هذه المرحلة من عمر الدولة الأردنية أصبح ضرورة، فالحكومات لا يجوز أن يبقى تشكيلها محكومًا بمنطق التوازنات الجهوية، ومنطق الأصحاب والشللية، وإن تغليب السياق السياسي والبرامجي هو نقطة الارتكاز التي يجب أن نعظّمها ونبني عليها.
أفضل اختبار لرئيس الوزراء لفحص جديته، ومدى التزامه بخطته وبرنامجه، هو محطة التعديل الوزاري، عندها يمكن القول إنه نجح، أم فشل في تنفيذ رؤيته ومقارباته.







