المنسي يكتب: العارفون بكل شيء

{title}
أخبار الأردن -

 

جهاد المنسي


في كل مرحلة سياسية أو إقليمية حساسة، يخرج علينا من يقدّم نفسه باعتباره (العارف بكل شيء) والمطلع على خفايا الغرف المغلقة، والقادر على فك شيفرة القرارات قبل صدورها، أولئك يتحدثون بثقة مفرطة، ويوزعون المعلومات والتسريبات وكأن هاتف رئيس الوزراء لا يغلق عندهم، والحقيقة أن كثيراً مما يُقال ليس سوى أوهام يتم تسويقها على الناس بهدف صناعة ضجيج أو تحقيق حضور إعلامي أو إثارة الرأي العام.
 

في الداخل، تتكرر المشاهد مع كل حديث عن تعديل حكومي، محللون وناشطون وبعض (العارفين) يدخلون في بورصة الأسماء، فيؤكد أحدهم خروج وزير، ويجزم آخر بدخول شخصية معينة، بينما يحدد ثالث موعد التعديل وكأنه كان حاضراً في جلسة اتخاذ القرار، وبعد أيام يتبين أن كل ما قيل لا يمت للحقيقة بصلة، لكن المشكلة ليست فقط في الخطأ، فالخطأ وارد، بل في الإصرار على تقديم التوقعات على أنها معلومات مؤكدة، وفي تحويل التحليل السياسي إلى حالة من الادعاء والاستعراض.
الحقيقة التي يعرفها أصحاب الخبرة أن التعديلات الحكومية حتى في الدوائر الضيقة تبقى خاضعة للحظة القرار الأخيرة، وأن رئيس الوزراء نفسه قد يغيّر خياراته قبل ساعات من الإعلان، فكيف بمن يجلس خلف شاشة هاتف أو على منصة إعلامية ويحدث الناس بثقة مطلقة؟ وكيف يصدق البعض أن كل من يرفع صوته أو يكتب بلغة الواثق أصبح يملك مفاتيح القرار؟
المؤسف أن هذه الحالة خلقت فوضى في الوعي العام، وأصبح كثير من الناس يتعاملون مع الإشاعات على أنها حقائق، خصوصاً في زمن السرعة الرقمية، منشور واحد أو «تسريبة» غير دقيقة كفيلة بإشعال النقاشات وإرباك الشارع وإطلاق سيل من التكهنات. وفي النهاية لا أحد يُحاسب من أخطأ، بل يبدأ الجولة التالية من الادعاءات وكأن شيئاً لم يكن.
الأمر لا يتوقف عند الشأن المحلي، بل يتجاوز ذلك إلى القضايا الدولية الكبرى، هناك من يجلس أمام الشاشات يحلل ما يجري في واشنطن أو موسكو أو طهران، ويتحدث عن نوايا الرؤساء وخطط الدول العظمى وكأنه جزء من غرف صناعة القرار. والأطرف من ذلك أن بعضهم يقدم تحليلاته باعتبارها حقائق نهائية، رغم أن العالم كله بات يعرف أن السياسة الدولية، خصوصاً الأمريكية، أصبحت أكثر تعقيداً وتقلباً من أي وقت مضى.
خذوا على سبيل المثال الرئيس الأميركي نفسه، هل يستطيع أحد أن يجزم بما يريده فعلاً؟ حتى أقرب المقربين منه، وحتى كبار المسؤولين في إدارته، كثيراً ما يفاجأون بتصريح أو قرار أو تغيير، السياسة الأميركية اليوم ليست معادلة بسيطة يمكن لأحد أن يدعي فهمها الكامل، فكيف بمن يخرج كل مساء ليشرح للناس ما «سيحدث غداً» وكأنه يملك النص الكامل للمشهد؟
التحليل السياسي الحقيقي لا يقوم على الادعاء، بل على القراءة الهادئة وربط المعطيات والاعتراف بأن هناك مساحات واسعة لا يعلمها إلا أصحاب القرار، المحلل المهني يقول (ربما) و(وفق المعطيات)، أما مدّعي المعرفة فيستخدم لغة الجزم المطلق لأنه يبحث عن التأثير لا عن الحقيقة.
نحن بحاجة إلى ثقافة سياسية أكثر نضجاً، تميّز بين المعلومة والتحليل، وبين القراءة والتضليل، وبين من يحاول الفهم ومن يحاول صناعة بطولة وهمية، فليس كل من امتلك منصة أو حساباً أو مساحة إعلامية أصبح مطلعاً على ما يدور خلف الكواليس.
الوعي الحقيقي يبدأ حين نتوقف عن تصديق كل من يتحدث بثقة، وحين ندرك أن السياسة ليست رواية مكشوفة، وأن كثيراً مما يجري في العالم لا يعرف تفاصيله إلا عدد محدود جداً من الأشخاص، أما البقية، مهما ادعوا، فهم في النهاية يحاولون التخمين، لكن بعضهم يلبس التخمين ثوب الحقيقة المطلقة.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية