الرواشدة يكتب: لماذا نفكر تجاه بعضنا بمنطق الضربة القاضية؟

 

حسين الرواشدة 


لم تفقد الدولة الأردنية، اقصد ادارات الدولة ومن يتحدث باسم المجتمع، في عز الأزمات التي كانت تهدد وجود الدولة، ميزة الحكمة والهدوء والاتزان، وكذلك الحزم إذا اقتضى الأمر  ، ولم نسمع عن مسؤول أردني آنذاك، من الذين ما نزال نذكرهم، أن فجر بالخصومة السياسية، أو امتطى مركب الانفعال، أو تعامل بمنطق الحدة المفرطة والعصبية، كما لم يسجل لأي مسؤول ان تهاون في الدفاع عن الدولة وحماية هيبتها وكرامة الأردنيين ايضاً. 
لم يفعلوا ذلك، ليس، فقط، لأن السياسة، بأبسط معانيها، تستدعي الليونة والمرونة والتناوب بالنقاش، والتنازل إذا لزم الأمر، كما تستدعي التصرف بروح وطنية ، وبلهجة أردنية قوية و صادقة ، وقت الشدائد والأزمات ، وإنما لأن الدولة والمجتمع معا، كانا يتمتعان بالحيوية والعافية، وكانا قادرين على إفراز أفضل المناخات والشخصيات، وأنماط التصرف الوطني والسلوك السياسي أيضا.
خلال الأسبوعين، الحالي والمنصرف، رصدت اكثر من عشر وقائع، اتسم فيها الأداء السياسي بالانفعال ، أبطالها مسؤولون ينتمون للطبقة السياسية، اغلبهم أعضاء في البرلمان وفي تيارات وأحزاب سياسية، حدث ذلك في إطار نقاشات عامة حول قضايا وطنية مهمة، متعلقة بالحرب وتداعياتها على بلدنا ، وإذا أضفنا لها ما حدث من ردود أفعال، اتسمت بالتوتر، من قبل المجتمع، فإننا سنجد أنفسنا أمام حالة تشبه “حلبة المصارعة”، لا يفكر أحدنا تجاه الآخر إلا بمنطق الضربة القاضية.
جولة واحدة، صباحا أو مساء، على الشاشات وأثير الإذاعات، والاهم على وسائل التواصل ( التناحر)الإجتماعي، كفيلة بتأكيد أننا فقدنا “أعصابنا”، ودخلنا في دوامة الضجيج، والردح المتبادل، واستمرأنا “القصف” وتوزيع الاتهامات، وربما اللكمات، فلماذا حدث ذلك؟ لدي أسباب عدة، بعضها سأفصح به، وأخرى أتركها للمتخصصين في مجال علم النفس السياسي، لأنهم أدرى مني بها.
السبب الأول هو أن بلدنا منذ عقد ونصف على
الأقل ،تعرض لأزمات خانقة، وغير مسبوقة ربما، ضغطت على عصب الأردنيين، والمسؤولين والنخب تحديدا، وأفقدتهم القدرة على التفكير والنقاش بهدوء، السبب الثاني هو أن اتساع فجوة الثقة بين المسؤولين ومن يتصدرون مخاطبة الرأي العام وبين المجتمع دفع الطرفين للتعامل بعصبية زائدة، وأربك الطرف الأول  عند مواجهة أسئلة الناس وردودهم القاسية أحيانا، فأفقده الصبر وتسبب بانفعاله.
أما السبب الثالث، فهو أن قدرة بعض المؤسسات ، على تمثيل المجتمع ضعفت، وكذلك تراجع أداؤها وتقلصت خدماتها، وقد انعكس ذلك على بعض المسؤولين الذين أصبحوا عاجزين ومرتجفين، سواء عند الخروج للميدان لمواجهة مطالب الناس، أو عند مناقشة أي تشريع أو توقيع أي قرار.
تبقى ملاحظة، ربما تصلح خلفية لفهم حالة الانفعال العام، وهي أن نحو  25 % من الأردنيين ، حسب الجمعية الأردنية للأطباء النفسيين ، يعانون من اضطرابات نفسية (لا تسأل لماذا؟)، ومن المتوقع أن تتصاعد هذه النسبة بسبب الحرب التي ما تزال مستمرة منذ عامين ونصف ، حيث أشارت آخر الدراسات (أنجزها فريق باحثين من جامعات محلية ومؤسسات) إلى أن 65.3 من سكان الأردن (نحو 6 ملايين) تعرضوا للتوتر النفسي، بنسب متفاوتة، منذ 2020. وفهمكم كفاية