النقرش يكتب: "الثقة لا يصنعها المؤثرون… بل تصنعها الشعوب والحكومات"

{title}
أخبار الأردن -

 

بقلم : د. إبراهيم النقرش

في السنوات الأخيرة، تصاعد الحديث في الأردن عن “أزمة الثقة” بين الحكومة والشعب، حتى أصبح هذا المصطلح يتكرر في كل نقاش سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي. والحقيقة التي يجب الاعتراف بها بشجاعة أن أزمة الثقة ليست وهماً، وليست مبالغة شعبية، بل واقعاً تراكم عبر سنوات طويلة من الضبابية، وضعف الشفافية، وغياب المصارحة، ومحاولة تجميل الحقائق بدلاً من مواجهتها بصدق.
الثقة ليست حملة إعلامية مؤقتة، أو“ترنداً” يصنعه بعض المؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي. الثقة تُبنى عندما يشعر المواطن أن الدولة تحترم عقله، وتخاطبه بصدق، وتشاركه الحقيقة كاملة، لا أن تُفصّل له المشهد وفق مصالح فئة أو مجموعة تحتكر الرواية الرسمية وتتعامل مع الشعب وكأنه جمهور ساذج يمكن توجيهه بالعواطف والشعارات.. .

إذا كانت الحكومة واثقة من صحة قراراتها، فلماذا تحتاج إلى مؤثرين لتسويقها ومحاولة إقناع الناس بأن كل شيء على ما يرام؟
أين مؤسسات الإعلام الرسمي بمناصبها وموازناتها؟ إن لجوء الحكومات إلى المؤثرين ليس دليلاً على القوة، بل أحياناً يكون اعترافاً ضمنياً بفشل المنظومة الإعلامية التقليدية، وفقدانها للمصداقية أمام الناس. فالثقة لا تُشترى بالإعلانات، ، بل تُبنى بالعدالة، والصدق، والكفاءة، واحترام عقول المواطنين.
المواطن الأردني اليوم ليس قليل الوعي، ولا يعيش في عزلة عن العالم. هو يرى ويقارن ويحلل. يدرك حجم التناقض بين الخطاب الرسمي والواقع الاقتصادي الصعب، وبين الوعود المتكررة والنتائج المحدودة.
اجتماعياً، تؤدي أزمة الثقة إلى حالة من الاحتقان والإحباط والشعور بالعجز، خصوصاً لدى الشباب الذين أصبحوا يشعرون بأن صوتهم الحقيقي لا يُسمع، وأن همومهم تُختزل أحياناً بمحتوى ترفيهي فارغ. وعندما يفقد المواطن ثقته بالمعلومة الرسمية، فإنه يبدأ بالبحث عن بدائل، وهنا تنتشر الشائعات ويصبح المجتمع أكثر هشاشة أمام أي أزمة.
أما اقتصادياً، فإن الثقة هي أساس أي نهضة. المستثمر لا يضع أمواله في بيئة مضطربة فاقدة للمصداقية، والمواطن لا يتفاعل مع الخطط الاقتصادية إذا كان لا يثق بمن يطرحها. حتى الإصلاحات الحقيقية تفشل عندما يغيب عنصر الثقة، لأن الناس تشعر أن الأعباء تُفرض عليها دائماً دون مشاركة حقيقية أو عدالة واضحة.
وسياسياً، فإن استمرار الفجوة بين الحكومة والشعب يُضعف المشاركة العامة، ويزيد من العزوف عن الحياة السياسية، ويخلق حالة من اللامبالاة أو السخط المكتوم، وهو أمر خطير على أي دولة تسعى للاستقرار الحقيقي. فالدول القوية لا تُدار بالخوف من الرأي العام، بل بالقدرة على كسب احترامه.
ثم إذا سلّمنا جدلاً بتأثير المؤثرين، فمن الأجدر بحمل هموم الناس؟
هل هم بعض مشاهير “الترندات”، أم الفنانون والمثقفون الذين خرجوا من رحم المجتمع وعاشوا تفاصيله الحقيقية؟
الفنان الأردني الحقيقي لم يكن يوماً مجرد ممثل، بل كان مرآة للمجتمع وضميراً له. أسماء مثل موسى حجازين"سمعه " عبر مسرحياته تزينه شبريته ولهجته الأم الكركيه ، ومحمد العبادي، ومحمود أبو غريب وغيرهم ... ، لم يكسبوا محبة الناس عبر الإعلانات أو التصنع، بل لأنهم عبّروا عن وجع المواطن البسيط، وحملوا التراث والهوية والهمّ الشعبي بصدق وعفوية. هؤلاء صنعوا ثقة حقيقية لأنهم كانوا جزءاً من الناس لا أدوات لتوجيههم.
الأردن لا يحتاج إلى “مؤثرين” لصناعة الثقة، بل يحتاج إلى خطاب صادق، وإعلام مهني حر، ومسؤول يتحمل المسؤولية، وحكومة تعترف بالأخطاء قبل الإنجازات. يحتاج إلى مسؤول ينزل إلى الشارع ليسمع الناس لا ليشرح لهم لماذا يجب أن يصفقوا.
الثقة الوطنية لا يصنعها المؤثرون…
بل تصنعها دولة تحترم شعبها، وشعب يشعر أن دولته تشبهه، وتصدقه، وتقف معه لا فوقه

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية