انتصاراتنا التي تتالت وأريد لابصارنا أن لا تراها

انتصاراتنا التي تتالت وأريد لابصارنا أن لا تراها

د. عبدالحكيم الحسبان 

في تناول الحدث الذي رأينا اولى تفاصيله في اليوم الذي تلى يوم السادس من اكتوبر المجيد، ولم تكن من باب الصدفة أو الحماسة المفرطة أن اختيرت له تسمية "طوفان الاقصى"، أجدني وأمام عظمة ما جرى ويجري استحضر المقولة التي صاغها أرسطو والذي يعدّ واحدا من اعظم فلاسفة الكون حين قال "من الحروب تولد كل الأشياء". فثمة قناعة تقترب من اليقين تتملكني بأن الحدث الذي تشكل يوم السابع من هذا الشهر سيكون كما أريد له أن يكون بحجم طوفان، وسيكون المخاض لكثير من التحولات التي ستحدث، علما أن كثيرا من هذه التحولات قد حدث بالفعل.

ثمة قناعة تتملكني تقول بأن الحدث الغزي وحده ومن بين كل "فصول الربيع" التي تناسلت كثيرا في منطقتنا العربية في العقدين الاخيرين، يشكل الربيع الحقيقي. ووحده ربيع غزة فلسطين الذي يمثل حالة وطنية ناصعة، إن كان على مستوى الاطراف المنخرطة فيه، إو على مستوى الوسائل المستخدمة فيه، كما على مستوى العدو التاريخي الذي يستهدفه. ففي كل فصول الربيع التي تتالت على منطقتنا العربية، لم يكن الحراك وطنيا خالصا، وواعيا بالعدو المستهدف كما هو عليه حراك الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الآن. فبعد عقدين من مشاهد حزينة لمخاض ربيع عربي متخيل، جاء الفلسطيني الغزي ليقول أن هذا هو الربيع الحقيقي.

ولاننا ما زلنا نعيش في خضم الحدث الطوفان، وحيث فصول الطوفان ما زالت تتوالي، فإن الكتابة عن الحدث هي مسألة تقترب كثيرا من حدود العبث الفكري، إذ ما زال من المبكر جدا الحديث التداعيات، والتحولات، والمآلات، والمخاضات التي ستعيشها المنطقة، والعالم نتيجة لما جرى بدءا من السابع من هذا الشهر المجيد. والحال، فأنه وعندما يكون الحدث بحجم ما جرى في السابع من هذا الشهر، فانني استذكر الحادثة الشهيرة التي حصلت حينما سأل أحد الصحافيين الزعيم الصيني ماو تسي تونغ في اربعينيات القرن الماضي عن رأيه في الثورة الفرنسية وتقييمه لها، بعد ما يقرب من القرنين من حصول هذه الثورة، فكان جوابه إنه ما زال من المبكر تقييم الاهمية التاريخية لهذه الثورة.

وعليه، فإن أكثر ما استفزني ودفعني منذ ما يقرب من اليومين للكتابة، ليس هو الحدث الطوفان من حيث القيمة، ودلالات التوقيت، والاهمية، والتداعيات، كما المخاضات، والمآلات. بل إن ما استفزني للكتابة كان هو الكيفية التي نقرأ سياسيين، واعلاميين، وأناس عاديين، ونخبا الحدث البطولي في غزة وحيث كان يمكن لي وبسهولة ملاحظة العيون التي لطالما رأينا بها ومن خلالها الاحداث في المنطقة، وحيث المنطقة العربية تعيش صيرورة تاريخية بالرغم كل مظاهر الجمود والركود التي قد تبدو للعين. فالحديث هنا في هذه المقالة ليس عن الحدث الغزي نفسه بقدر ما هو عن عيوننا وعقولنا التي تشاهد ما يجري، كما سبق لها أن شاهدت أو حاولت ما سبق وجرى في المنطقة، ولتعكس عيوننا ما تشاهده في كتابات ومقالات وتحليلات وممارسات خطابية.
 

إن أول ما يمكن أن تسجيله في الحديث الذي يدور على مستوى المنطقة، كما في الاردن، هو هذا الاجماع الواسع على توصيف ما جرى في غزة على انه نصر كبير وتاريخي على خلاف أحداث كثيرة جرت في المنطقة. ففي معظم الاحداث التي جرت في المنطقة إن لم يكن جلها، فإن الانقسام في التشخيص كان هو السائد؛ فكثير من المعارك والحروب الكبيرة والصغيرة اختلفنا حولها، وفيما إذا كانت نصرا، أو هزيمة، أو نكسة، أو نكبة بل إن كثيرا من الاحداث مرت على المنطقة دون حتى أن تلحظها عيون معظمنا في الاردن.

أجزم أن طوفان الاقصى الغزي، لم يكن حدثا تشكلت بداياته في غزة أو فلسطين، بل إن ما جرى في غزة كان جزءا من مسار متواصل، وتراكمي عاشته المنطقة منذ عقود. وأجزم أيضا أن النصر المؤزر في غزة على يد أبطال المقاومة في حماس والجهاد الاسلامي والجبهة الشعبية وغيرها، لم يكن إلا حلقة من ضمن حلقة متواصلة من الضربات التي تلقاها الاسرائيلي والامريكي بل والغرب على مدى عقود في هذه المنطقة. وأجزم أيضا أن كثيرا من هذه الاحداث والانتصارات التي جرت لم نراها، أو لم نرد أن نراها، أو لم يرد لنا أن نراها. فثمة ماكنة اعلامية عملاقة عملت كثيرا على ألا نراها، وثمة عين وعقل طائفيان أو فئؤيان تمكنا منا كثيرا، فمنعتانا من رؤية كثير من الاحداث وبعضها كانت انتصارات كبيرة بل وتاريخية.

فقبل طوفان الاقصى، كان هناك نصر اكتوبر المجيد في العام 1973، وبعده كان هناك تحرير نصف لبنان من احتلال الكيان في العام 2000 الذي استمر منذ العام 1982 ، وبعد الانتصار في تحرير لبنان، حدث انتصار تحرير غزة. وفي العام 2006 حدث الانتصار الذي أرى أوجه شبه كبيرة بينه وبين طوفان غزة؛ فحدث الانتصار في تموز حين شن الصهيوني عدوانا على مدى 33 يوما ولكنه لم ينجح في احتلال متر واحد من اراضي لبنان، ما شكل انقلابا في حركة التاريخ في المنطقة وحيث لم يحتج الكيان لاكثر من ستة أيام في العام 1967 كي يكسر جيوش اربعة دول عربية، وليحتل ما يقرب من ثلاثة اضعاف مساحة كيانه قبل الحرب. ولعل واحدا من اكبر الانتصارات التي تحققت في المنطقة كانت الهزيمة الامريكية في العراق، وحيث جاء الامريكي ومعه اكثر من 300 الف من جنوده غازيا العراق، ومعلنا وبالفم الملآن عن مشروع أعادة تشكيل الشرق الاوسط الكبير بدءا من العراق كي يشمل الخليج ومصر وبلاد الشام.

وفي كل المخاضات والاحداث التي عاشتها المنطقة كانت عيوننا كما عقولنا عاجزة في كثير من الاحيان عن الرؤية والتشخيص والتوصيف. فبعض الاحداث والانتصارات لم نلحظها، لان ماكنة من السياسة والاعلام المهيمن لم تكن تريد لنا سوى أن نرى الهزائم، والبعض الاخر من الاحداث والانتصارات لم نلحظها بل ولم نرد أن نلحظها لان عينا وقلبا وعقلا طائفيا وفئويا تمكن منا، فجعلنا عاجزين عن رؤية انتصاراتنا وعن رؤية هزائم عدونا. وفي أحيان أخرى سيطر خليط قاتل من الطائفية والسياسيات الفئوية والسياسات الاعلامية الكونية والمحلية كانت مهمتها أن نرى فقط هزيمة العام 1967، وأن يتوقف كل تاريخنا عند هذه الهزيمة وحيث كانت هناك ماكنة عملاقة من الفكر والاعلام والصحافة والسينما كانت مهمتا أن تمجد هزيمة العام 1967، ولتجعل منها ما يشبه نهاية التاريخ بالنسبة للمنطقة العربية.

وأما ما سهل عمل هذه الماكنة العملاقة في تكريس ثقافة تمجيد الهزيمة والاحتفاء بها، من اجل تدفعينا أثمان فواتيرها من ارضنا ودمنا ولقمة عيشنا، فقد كان هناك عقل ما زال متوقفا في انتمائه عند كيانات ما قبل الدولة من عشيرة، وطائفة، وفئة، ولم يرد له أن يتطور فيصبح عقل دولة. فالعقل الطائفي والفئوي هو الذي منعنا أن نرى نصر اكتوبر لنحتفي به ونمجده، ولنمحو به ما جرى من هزيمة في العام 1967، كما أن العقل الطائفي نفسه هو الذي منعنا أن نحتفي بجول جمال المسيحي السوري الحلبي الذي استشهد مدافعا عن أرض مصر العربية في وجه البوارج العسكرية الفرنسية أي في وجه من يفترض بانه شقيق في الدين، ولكن جول جمال انتمى لعروبته وبلاده وتراث بلاده فقضى شهيدا حين فجر البارجة العسكرية الفرنسية إبان العدوان الثلاثي على مصر.

وكانت طائفيتنا هي التي منعتنا في رؤية الهزيمة الاستراتيجية الكبرى التي حاقت بالامريكي حين غزا العراق. ففي حين ملأت صور الانتصار الامريكي في غزو العراق ودخول بغداد في العام 2003 عقولنا وأبصارنا، بل إن الصحافيين الامريكيين سجلوا سابقة في العمل الاعلامي حين رافقوا الجندي الامريكي الغازي على ظهر دبابته وهو يحتل أرض العراق، فاننا لم نشاهد صورة واحدة للامريكي وهو يهرب من العراق في العام 2011 بعد أن أنهكته وانتصرت عليه المقاومة العراقية. فقد أريد لنا أن نرى النصر الامريكي، ولكن لم يرد لنا أن نرى الهزيمة التي حاقت بالامريكي بل أجزم أنه وفي مخيلة الكثيرين منا فإن الغزو الامريكي يشبه حدثا حصل واقعا ولكنه يكاد لا يعيش في ذاكرتنا.

في النصر الذي تحقق في اكتوبر من العام 1973 هناك من اراد لنا أن لا نرى في مشهد النصر على انه مشهد يتجاوز الطائفة والقطرية والعصبيات الضيقة، وحيث كان نصر اكتوبر نتيجة جهد عربي شارك فيه المغربي والجزائري والليبي والخليجي والاردني والعراق جنبا إلى جنب مع المصري والسوري. وفي الانتصار الذي تحقق في لبنان بتحريره من جيش الاحتلال الصهيوني، وحيث كانت المقاومة وطنية وعابرة للطائفة والمنطقة، هناك من أراد أن يلوث الانتصار أو يجعلنا على الاقل لا نلحظه من خلال تطييفه ونسبته لطائفة بعينها، وكان النصر هو انتصار لطائفة وليس انتصار لوطن لبناني بكامل مكوناته.

وفي النصر الذي تحقق للعراق وأدى لهزيمة استراتيجية للولايات المتحدة في العراق والمنطقة، كانت المقاومة العراقية عابرة للطائفة والمنطقة والدين، فالسني كما الشيعي كما المسيحي سال دمه من أجل تحرير العراق والمنطقة من الاحتلال الامريكي. فانتصرت المقاومة في العراق لانها لم تكن طائفية بل كانت وطنية، وكانت حالة وفعلا وطنيا لا طائفيا. ومرة اخرى، عجز عقلنا الطائفي أن يلحظ النصر لانه طيف- بتشديد الياء- المقاومة العراقية التي لم تكن مطلقا طائفية او جهوية.

ولعل التجلي الاكبر لعجز عيننا عن رؤية انتصاراتنا وعن ملاحظة هزائم عدونا، هو عدم ملاحظة عيننا لخريطة الكيان الصهيوني يوم كانت مساحة الارض التي يحتلها تقترب من ثلاثة اضعاف مساحة الارض التي يحتلها الان. فمساحة الكيان حين كان منتصرا شملت ذات يوم كامل أرض سيناء، كما شملت نصف مساحة لبنان، اضافة لغزة وجزء من الجولان وجزء من الارض الاردنية. من يتطلع بعينين متحررتين من فكر الهزيمة سيرى أن مساحة الكيان كانت تتقلص على الدوام نتيجة الهزائم التي لحقت بالكيان وتتالت على جيشه.

في قراءة المشهد الغزي، يصر بعض من تجليات عقلنا الطائفي ان يري مشهد الانتصار بحجم حدود غزة وجغرافيتها الضيقة، وهو يرفض ان يفتح عينيه الطائفيتين ليرى ان لوحة الانتصار العظيم في غزة صنعت بجهود قوى وطنية شريفة تتجاوز كثيرا حدود غزة وتوزعت على كامل مساحات الإقليم، بل إن اهل الانتصار وصناعه في غزة ممن دفعوا بالدم واللحم الحي ثمن الانتصار كما ثمن الاعداد له، يصرون في كل حديث وتصريح لهم على الهوية غير الطائفية لهذا الانتصار وحيث يصر قادة الانتصار العظيم من قيادات حركة حماس وحركة الجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية على ان الاعداد لهذا الانتصار كان على مستوى الإقليم بسنته، وشيعته، ومسيحييه جميعا. فغزة كما فلسطين انتصرت لأن غزة وفلسطين صنعت وبنت مقاومة غير طائفية وحيث قيادات حماس والجهاد يعملون على كل تفصيل جنبا إلى جنب مع شركاء لهم في لبنان وسوريا والعراق ويكفي أن نعود للبيان الذي ألقاه محمد الضيف بطل المقاومة الفلسيطينية في غزة لنرى أن العقل الفلسطيني الذي انتصر، انتصر لانه لم يكن عقلا طائفيا.


تنويه.. يسمح الاقتباس وإعادة النشر بشرط ذكر المصدر (صحيفة أخبار الأردن الإلكترونية).