الأردن والقادم... ما الذي يجب علينا أن نفعله لتجنب الأسوأ؟
قال مدير برنامج البحوث في مركز الدراسات الإقليمية، الأستاذ الدكتور نبيل العتوم، إن الهجوم الذي استهدف كنيسة القديس جورجيوس في قرية حمود بمحافظة الكرك يفرض إعادة تقييم المقاربة الأردنية في مواجهة الإرهاب والتطرف، بما يشمل المسارات الأمنية والفكرية والسياسية والتربوية والقانونية، إلى جانب التعامل مع مخاطر التجنيد عبر الفضاء الإلكتروني.
وأوضح في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية، خلال حديثه عن الحادثة وتداعياتها، أنه لا يمكن فصل الأحداث الداخلية في أي دولة عن التطورات الإقليمية، مشيرًا إلى أن الأردن يقع في محيط جغرافي تتداخل فيه أزمات متعددة، من سوريا إلى التوترات المرتبطة بإيران وإسرائيل، وما تفرزه من بيئة صراعية قد تنعكس على أمن المنطقة واستقرارها.
وأكد العتوم ضرورة البحث في الجهات التي قد تستفيد من عودة نشاط التنظيمات المتطرفة، معتبرًا أن التطورات الإقليمية تستدعي دراسة احتمالات استثمار هذه التنظيمات في حالة الاضطراب لإثارة الفوضى وخلط الأوراق، إذ يجب تحديد الجهة المسؤولة عن الهجوم ودوافعه يبقى مرتبطًا بما تكشفه التحقيقات والقرائن المتاحة.
ونوّه إلى أن طبيعة العملية تثير تساؤلات تستوجب التوقف عندها، ولا سيما اختيار موقع ديني إذا ثبت أن الكنيسة كانت الهدف المقصود، وتوقيت الهجوم أثناء جنازة، وما قد يحمله ذلك من احتمالات لاستغلال تجمع مدني وإحداث صدمة تتجاوز مكان وقوع الاعتداء.
وذكر العتوم أن التحقيق ينبغي أن يحدد ما إذا كان الهجوم عملًا فرديًا نفذه أشخاص متأثرون بالفكر المتطرف، أم أنه مرتبط بخلية منظمة أو شبكة أوسع، محذرًا من إصدار أحكام نهائية قبل اكتمال الأدلة.
ولفت إلى أن أحد المخاطر التي ينبغي الانتباه إليها يتمثل في استهداف التماسك الوطني، خصوصًا إذا ثبت أن البعد الديني كان مقصودًا في اختيار الهدف، بهدف إثارة حساسيات داخلية أو دفع المجتمع إلى ردود فعل متوترة.
وشدد العتوم على أن العلاقة بين المسلمين والمسيحيين في الأردن تمثل ركيزة أساسية في تماسك المجتمع، وأن الحفاظ عليها يتطلب رفض التعميم وخطاب الكراهية، وعدم السماح باستغلال الجريمة لتوسيع الانقسامات أو تحميل جماعة دينية مسؤولية أفعال أفراد.
وفي سياق حديثه عن مصادر التهديد، قال إن الأردن يواجه تحديات متداخلة، من تداعيات السياسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية ومخاطر التهجير، إلى نشاط الجماعات المتطرفة ومحاولات تهريب السلاح والمخدرات عبر الحدود.
وطرح العتوم احتمال وجود أطراف إقليمية تسعى إلى إضعاف الأردن أو إشغاله بأزمات أمنية متلاحقة، بوصفه جزءًا من قراءته للمشهد الإقليمي، من دون أن يعني ذلك حسم المسؤولية عن الهجوم الأخير.
وأضاف أن محاولات استهداف الأردن ليست جديدة، وأن المملكة واجهت على مدى سنوات تهديدات مختلفة، إلا أن التنظيمات المتطرفة لم تتمكن، وفق تقديره، من بناء حضور واسع ومستقر داخل البلاد، رغم استمرار محاولاتها تنفيذ عمليات متفرقة.
وأشار إلى أهمية التمييز بين العمليات التي تقف خلفها تنظيمات إرهابية منظمة، وتلك التي ينفذها أفراد تأثروا بأفكار متطرفة، موضحًا أن هذا التمييز ضروري لفهم طبيعة التهديد وتحديد أدوات التعامل معه.
وذكر العتوم أن بعض العمليات قد تنفذها خلايا مسلحة لديها قدرة على التخطيط والتنسيق، فيما تعتمد عمليات أخرى على ما يعرف بـ"الذئاب المنفردة"، التي يصعب تتبعها أمنيًا بسبب غياب الاتصال التنظيمي المباشر أو محدوديته، رغم احتمال تأثر منفذيها بمحتوى أو توجيه يأتي من خارج الحدود.
وأكد أن التعامل مع هذا النوع من التهديدات يتطلب تطوير أدوات الرصد الوقائي، إلى جانب معالجة البيئة الفكرية التي تسمح بانتشار التطرف، مشيرًا إلى أن المواجهة لا يمكن أن تقتصر على ملاحقة المنفذين بعد وقوع الاعتداء.
التجنيد الإلكتروني في صلب المواجهة
وحذّر العتوم من خطورة التجنيد عبر الإنترنت، معتبرًا أن الفضاء الرقمي أصبح أحد المسارات التي تستدعي اهتمامًا خاصًا في جهود مكافحة التنظيمات العابرة للحدود.
وقال إن حادثة الكرك قد تدفع إلى مراجعة ترتيبات أمنية وسياسية وفكرية وقانونية وتربوية، بالتوازي مع تطوير آليات التعامل مع عمليات الاستقطاب والتجنيد الإلكتروني، موضحًا أن المنصات الرقمية تتيح للتنظيمات المتطرفة الوصول إلى الأفراد والتأثير فيهم بطرق قد لا تكون واضحة للمحيطين بهم.
وأضاف أن مواجهة هذه المخاطر تتطلب تعاونًا بين الجهات الأمنية والمؤسسات التربوية والإعلامية، إلى جانب رفع الوعي بكيفية استغلال المحتوى الرقمي لنشر الأفكار المتطرفة واستدراج الأفراد إلى دوائر مغلقة من التأثير والتوجيه.
وخلص العتوم إلى أن تداعيات الهجوم تستدعي إعادة وضع ملف الإرهاب والتطرف ضمن أولويات الدولة، من خلال مقاربة شاملة تجمع بين الإجراءات الأمنية والوقاية الفكرية والتعامل مع التجنيد الإلكتروني، مع الحفاظ على التماسك الوطني ومنع استغلال الحادثة لإثارة الانقسام داخل المجتمع الأردني.







