اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

أبو زينة يكتب: نهاية الشرق الأوسط الأميركي.. وبداية ماذا..؟! (3-1)

{title}
أخبار الأردن -

 

علاء الدين أبو زينة

- تآكل النظام الأميركي
ليست الحرب غريبة على الشرق الأوسط. ومن الصعب العثور في تاريخ المنطقة الحديث على حقبة طويلة متصلة عاشت فيها المنطقة خارج دوائر الصراع. وإذا عرضت أجزاؤها في أي وقت استقرارًا ظاهريًا مؤقتًا ما، فإن مقدمات الاضطراب التالي كانت تمور تحت السطح، تغذيها أشكال الهيمنة الاستعمارية الجديدة التي أعقبت انتهاء الاستعمار المباشر. وظلت موازين القوى التي يحددها الخارج ترسم إلى حد بعيد حدود الأمن ومصائر دول ومجتمعات الإقليم. لكن حروب السنوات الثلاث الأخيرة نقلت القلق الإقليمي إلى مستوى آخر بالنظر إلى دمويتها وتوسُّع نطاقها وتزامنها مع تحولات كبرى تتهاوى فيها ترتيبات قديمة من دون أن تكون ملامح النظام الجديد قد تبلورت بعد.
 

منذ حرب غزة في العام 2023، مرورًا بانهيار النظام السوري وتصاعد الحرب في لبنان، وصولًا إلى الحرب الأميركية–الصهيونية على إيران، يتراكم لدى مواطني الإقليم شعور بالإجهاد وغياب اليقين من حروب تتوالد من أخرى: متى تنتهي هذه الدائرة الشرسة؟ أي شرق أوسط ستنجبه هذه الحروب؟ أي موازين قوى وترتيبات أمنية ستنشأ من تحت أنقاض الترتيبات القديمة؟ وأي موقع ستحتله الولايات المتحدة -والكيان الصهيوني- والقوى الإقليمية والدولية المتنافسة في نظام لم تتضح معالمه بعد؟
وتتعدد القراءات والإجابات. لكنني سأحاول إلقاء بعض الضوء بعرض موجز لتصورات خمسة أكاديميين بارزين مهتمين بالشرق الأوسط -مارك لينش Marc Lynch؛ مايكل يونغ Michael Young؛ ولي نصر Vali Nasr؛ بول سالم Paul Salem؛ وشون يومSean Yom - لما قد تُسفر عنه الأحداث الدامية الحالية من مستقبل للمنطقة.
في قراءة لافتة للتحولات الجارية في الإقليم، كتب مارك لينش، أستاذ العلوم السياسية والشؤون الدولية في جامعة جورج واشنطن، مقالًا نشرته مجلة «فورين أفيرز» في 18 آب (أغسطس) بعنوان: «نهاية الشرق الأوسط الأميركي». ولدى محاولة قراءة المكتوب من العنوان، ربما يتنفس مناهضو الهيمنة الأميركية الصعداء: أخيرًا سيحلُّ الأميركان عن ظهر المنطقة ويتركونها لأهلها!
لكن المَتن سرعان ما يشرح العنوان ليجعله أقل بعثًا على البهجة. يرى لينش أن حرب أميركا والكيان على إيران شكلت اللحظة الحاسمة في أفول النظام الإقليمي الذي تشكل بعد حرب الخليج في العام 1991، وقام على الحضور العسكري الأميركي، واحتواء إيران، وضمان أمن الحلفاء، وحماية الكيان الصهيوني. لكنّ «نهاية الشرق الأوسط الأميركي» وفق هذا التصور لا تعني نهاية النفوذ الأميركي أو انسحاب واشنطن من المنطقة. سوف تظل الولايات المتحدة قوة عسكرية وسياسية واقتصادية رئيسية فيها، لكن قدرتها على تنظيم الإقليم وفق صيغة أمنية واحدة، وإقناع حلفائها بأن مظلتها هي الضامن الوحيد والنهائي لأمنهم وتوازناتهم، لم تعد كما كانت. وإذن، ستبقى أميركا قوة مركزية في الشرق الأوسط، بينما تفقد قدرتها على إدامة النظام الذي كانت واشنطن تضع قواعده وتحدد حدوده.
بحسب كبير محرري «مركز كارنيغي للشرق الأوسط»، مايكل يونغ، كانت الحرب في غزة هي التي كشفت أولى شقوق هذا الترتيب. وفي مقاله المعنون «ثلاث أشكال من القطيعة ونهاية ’السلام الأميركي‘ في الشرق الأوسط» المنشور على موقع المركز في 22 أيلول (سبتمبر)، يقترح أن غزة أحدثت «قطيعة أخلاقية» مع النظام الأميركي لدى قطاعات واسعة في المنطقة، وعمقت انطباعًا بأن أمن الكيان يحتل موقعًا مركزيًا في النظام الذي تقوده واشنطن، حتى لو كان يعني ارتكاب جرائم حرب وضد الإنسانية وإبادة جماعية، ولا يروق لمعظم سكان الإقليم.
تنطوي هذه القطيعة الأخلاقية على مضمون جيواستراتيجي عميق. وتعني أن نظامًا يعجز عن تضمين فلسطين في تعريفه للأمن الإقليمي يبقى نظامًا يعالج أعراض الصراع ويؤجل معالجة مصدره. وبدا أن محاولات بناء شرق أوسط جديد حول تطبيع الكيان في المنطقة العربية تسعى إلى إعادة ترتيب المنطقة بالقفز على القضية الفلسطينية بدلًا من إعادة ترتيبها على أساس إيجاد حل جذري لها. وجاءت غزة لتكشف هشاشة هذا التصور: تستطيع الدول أن توقع اتفاقات، ويمكن للقوى الكبرى أن ترسم خرائط للتعاون في الأمن والطاقة والتجارة، لكن استبعاد شعب كامل من تعريف الأمن الإقليمي يبقي أصل الأزمة حيًا ومطلق الحضور.
وبذلك، لا تشكل فلسطين تفصيلًا أخلاقيًا في قصة تراجع النظام الأميركي بقدر ما هي إحدى نقاط ضعفه التأسيسية. فقد أمضت واشنطن عقودًا في محاولة الجمع بين أمن الكيان ومصالح حلفائها العرب بإبقاء القضية الفلسطينية في مسار تفاوضي مؤجل أو ضمن إدارة أمنية متقطعة. ومع تحوّل الاحتلال والاستيطان والضم إلى وقائع أكثر رسوخًا، أصبح من الأصعب الفصل بين مستقبل النظام الإقليمي ومستقبل فلسطين.
ثم جاءت الحرب مع إيران لتكشف الوجه الآخر للأزمة: حدود القوة الأميركية. وبحسب ولي نصر، أستاذ شؤون الشرق الأوسط والعلاقات الدولية والباحث في برنامج الشرق الأوسط في «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية»، في مقال نشره موقع المركز في 14 أيلول (سبتمبر) بعنوان إيران والنظام الأمني الناشئ في الشرق الأوسط»، شنت الولايات المتحدة والكيان الحرب على إيران في شباط (فبراير) 2026 بهدف إعادة تشكيل الشرق الأوسط، لكنّ تطورات الحرب كشفت حدود القدرة الأميركية وأعادت فتح السؤال حول شكل الأمن الإقليمي المقبل.
كان التحول الرئيسي الذي طرأ هو أن القوة الأميركية لم تعد تُقرأ بالضرورة باعتبارها قوة قادرة على تحويل التفوق العسكري إلى نظام سياسي مستقر. وتبين أن امتلاك الطائرات والقواعد والصواريخ والأساطيل لا يضمن وحده القدرة على فرض نتائج سياسية قابلة للديمومة. وربما يكون الأهم هو الحرب الإيرانية أعادت إلى الواجهة سؤالًا كان مؤجلًا: ماذا يحدث عندما تبدأ دول المنطقة في إجراء حساباتها الأمنية على أساس احتمال أن تكون واشنطن عاجزة عن حمايتها -أو غير مستعدة لتحمل كلفة حمايتها من الأساس؟
كانت دول الخليج العربية هي الأكثر صلة بمواجهة هذه السؤال. بالنسبة لهذه الدول، كانت الثقة بالمظلة الأميركية قد شرعت في التآكل قبل 2026 -خصوصًا بعد الهجمات التي استهدفت منشآت «أرامكو» السعودية في العام 2019 والتي لم ترد أميركا على إيران بسببها بأي طريقة يُعتد بها. لكنّ حرب 2026 دفعت السؤال إلى مستوى آخر. ووفق قراءة يونغ، أصبحت دول الشرق الأوسط الكبرى أقل استعدادًا لأن تكون شخوصًا ثانوية في ترتيبات وسيناريوهات تكتب واشنطن وتل أبيب نصها مسبقًا. وعلى هذه الخلفة يقرأ اتفاق الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان الموقّع في 7 آب (أغسطس) 2026، باعتباره نواة محتملة لبنية أمنية إقليمية جديدة تقوم على إقامة نوع من التوازن بين القوى –ولو أن من المبكر معرفة ما إذا كان هذا المسار سيتمكن من الثبات والوصول إلى مكان. (يُتبع)

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية