اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

العايدي يكتب: سنن التدافع (1): الصراع العدمي- قراءة في السلطة والمصلحة

{title}
أخبار الأردن -

 

د.محمد صبحي العايدي


الصراع العدمي: هو كل صراع لا يعود فيه العدل والحق قيمة معيارية في ذاته، وإنما يتلون بحسب المصلحة، فيدافع عنهما عندما يحقق نفعاً ومصلحة للشخص، فإذا تعارضا معها أعيد تأويلهما، أو جرى الالتفاف عليهما، أو استدعيت الحجج لتبرير نقيضهما، وهنا لا تصبح المشكلة في مجرد الاختلاف في الآراء، بل تصبح خللاً في ميزان القيم نفسه، فبدل أن تكون المصلحة محكومة بالعدل والحق، يصبح العدل والحق محكومان بالمصلحة.
 

ومن هنا يتولد التدافع الزائف، حين لا يدافع الإنسان عما يعتقد أنه صواب ويراه عدلاً، وإنما عما يحفظ موقعه أو يقربه من المسؤول، ثم يبحث عن المسوغات التي تغطي مصلحته الشخصية بثوب المصلحة العامة، ولذلك قد يبدأ التدافع الزائف والصراع العدمي من الدائرة المحيطة بصاحب القرار، حين يصبح السؤال : ماذا يريد أن يسمع؟ بدلا ما الذي يجب أن نقوله؟ هنا تبدأ المسافة الخطرة بين المصلحة والسلطة.
وعلى ضوء ذلك يظهر الفرق جليلاً بين التدافع الحقيقي الذي يحفظ التوازن ويقاوم الانحراف، وبين الصراع العدمي القائم على الغلبة والمصالح الضيقة، وإن ارتدى ثوب المصلحة العامة.
ولهذا قدم القرآن الكريم صورة أخرى لهذا الانحراف عندما قال تعالى:» وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق» والملفت هنا في الآية دقة التعبير، لأن فساد الفعل قد يقع من جهتين: الاولى:»بالباطل» وصف لفساد الأداة، والثانية: « ليدحضوا به الحق» كشف لفساد المقصد أو الغاية.
وهنا تدخل مشكلة من أعقد مشكلات الاجتماع، وهي «مجتمع المبررين» حيث يبدأ بنواة صغيرة تتشكل حول المسؤول، ليصبح رضاه هو المعيار للصواب والخطأ داخل المؤسسة، وهؤلاء يزداد حضورهم كلما طال بقاء المسؤول، حتى يشكلوا نواة صلبة لتبرير افعاله واقواله دائما، وينسجون حوله شبكة عنكبوتية من الدفاع المستمر، لا لحماية المؤسسة بالضرورة، بل حماية مواقعهم وأمانهم الوظيفي.
وهكذا يتحول الولاء من ولاء للمؤسسة وقيمها ومبادئها إلى ولاء للشخص المسؤول، وتتحول النصيحة من وظيفة أخلاقية إلى مخاطرة وظيفية يزهد فيها.
ولهذا جاء المعيار القرآني قاسياً في مواجهة المصلحة الذاتية في قوله تعالى: « كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على انفسكم « فعبارة « ولو على أنفسكم» تنقل العدالة من شعار إلى اختبار حقيقي، لأن النزاهة لا تظهر عندما يتطابق العدل مع المصلحة، فهنا من السهل ان تقف مع العدل لأنه يوافق مصلحتك، وإنما تظهر النزاهة عندما تفترق العدالة مع المصلحة الشخصية.
ولكن ثمة سؤال كاشف هنا يظهر مدى صحة علاقتك بالسلطة والمصلحة، وهو أن تسأل: لو لم يكن لي مصلحة وظيفية مع صاحب السلطة سأقول نفس الكلام وبنفس الحماسة؟
في علم الاجتماع التنظيمي تصبح المؤسسات عرضة للخلل عندما يضيق فيها مساحة الاختلاف لصالح رؤية المسؤول، لأن المسؤول لا يعود يرى الواقع نفسه، بل يرى الصورة التي تسمح البيئة المحيطة بوصولها إليه، فالموظف الذي يصارح المسؤول وينصحه، قد يكون أكثر ولاء للمؤسسة ممن يصفق له، لأن الأول يحميها من نتائج القرار الذي قد يعود عليها بالضرر، أما الثاني فهو يحمي علاقته بصاحب القرار، فالصراع العدمي لا يصنعه المسؤول وحده داخل المؤسسة، بل يساعده على إنتاجه بيئة تحيط به لا تقدم له المشورة الصحيحة فيما يحقق الصالح العام، ولذا فالمؤسسات القوية ليست تلك التي تختفي منها الأصوات المخالفة، وأنما التي تستطيع سماعها دون أن يتحول الاختلاف إلى خصومة، والنقد إلى جريمة، والاجتهاد إلى عصيان وتمرد.
ومن هنا فالتدافع يكون ظاهرة صحية وسنة كونية عندما يسأل فيه عن قوة الحجة لا عن ماذا يريد المسؤول؟ وتتسع فيه دائرة الحوار، وأما الصراع العدمي أو التدافع المزيف، فينظر الشخص إلى من بيده السلطة ليكون بجانبه ويحميه ويدافع عنه، وفرق كبير بين من يدافع عن العدل والحق ولو خسر مصلحته، ومن يدافع عن مصلحته ثم يبحث لها عن ثوب من العدل والحق يبلسهما إياه.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية