العثامنة يكتب: حين تصبح المشاركة مصلحة لا واجبا
مالك العثامنة
المشكلة في جزء من مسار التحديث السياسي في الأردن ليست في القوانين وحدها، ولا في عدد الأحزاب، ولا حتى في نسب المشاركة، بل في أننا حاولنا أحيانا أن نصنع المشاركة قبل أن نصنع الحاجة إليها، وكأن المواطن يمكن أن يدخل المجال السياسي لأن الدولة طلبت منه ذلك، أو لأن قانونا فتح له الباب، بينما السياسة في أصلها لا تولد بهذه الطريقة.
المواطن في معان أو الطفيلة أو الكرك أو المفرق لا يحتاج إلى من يشرح له معنى المشاركة، هو يحتاج إلى أن يرى أثرها في حياته، أن يعرف مثلا أن صوته يستطيع أن يغير أولوية مشروع في منطقته، أو أن يوقف قرارا محليا سيئا، أو أن يدفع باتجاه مدرسة أفضل أو طريق أكثر أمانا أو خدمة صحية أكثر عدلا، وحين يرى ذلك لن يحتاج أحد إلى إقناعه بأهمية العمل العام، لأنه سيكون قد دخل إليه من باب مصلحته وكرامته اليومية.
هنا تصبح المحافظات أكثر من وحدات إدارية، وتصبح ساحات سياسية طبيعية، لأن المواطن فيها يعرف الأشخاص والقرارات والنتائج، ويستطيع أن يربط بين من انتخب وما تحقق، وبين من وعد وما نفذ، وهذا هو جوهر السياسة الحقيقي، لا عدد الندوات ولا صور المؤتمرات ولا قوائم المنتسبين.
لقد أخطأنا حين تعاملنا مع المشاركة أحيانا باعتبارها مهمة يجب إنجازها، فجرى تصميم الأطر ثم طلب من الناس الدخول إليها، بينما المجال السياسي الصحي يفعل العكس، إذ يخلق مساحة حقيقية للمصلحة والصراع والمساءلة ثم تأتي التنظيمات والأحزاب والقيادات لتملأ هذه المساحة من تلقاء نفسها.
ولهذا فإن السؤال في الإدارة المحلية ليس كم مجلسا سننتخب، بل ماذا سيملك هذا المجلس من قرار ومال وصلاحيات، لأن المجلس المنتخب بلا أدوات ليس مؤسسة سياسية بل صندوق شكاوى أنيق، والمواطن الذي يصوت ثم يكتشف أن القرار النهائي بقي في عمّان سيتعلم من التجربة شيئا واحدا، وهو أن صوته محدود الأثر.
إذا أردنا إصلاحا سياسيا أعمق، فعلينا أن ننتقل من هندسة المشاركة إلى صناعة المجال، ومن دعوة المواطن إلى السياسة إلى جعل السياسة موجودة فعلا في المكان الذي يعيش فيه، وحينها يمكن أن تخرج القيادات من المحافظات لأنها بنت ثقة الناس لا لأنها وجدت مكانا في قائمة أو ترتيبا في مؤسسة.
التحديث السياسي لا يكتمل حين ننجح في زيادة عدد المشاركين فقط، بل حين يصبح للمشاركة ثمن ونتيجة ومعنى، وقد يكون الطريق إلى ذلك أقصر مما نعتقد، بأن تبدأ الدولة من المحافظات، وتمنح المواطن هناك سلطة حقيقية على القرار القريب من حياته، وعندها فقط تصبح السياسة حاجة لا واجبا.







