خطاطبة يكتب: حين تبدأ الحرب.. أين سيحتمي الأردنيون؟
محمود خطاطبة
في منطقة تُساق إلى حرب أو سلسلة أزمات، يترتب عليها نتائج كارثية، ستكتوي بنيرانها الشعوب قبل الأوطان؛ الأمر الذي يعني ضرورة أن نكون مستعدين لما قد تتركه هذه الحروب أو تلك الأزمات من آثار.
الأردن ليس جزيرة معزولة عن جغرافية المنطقة، وليس بعيدًا عن تداعيات ما يجري حوله؛ فإذا كانت الاستعدادات الأمنية والعسكرية والاستخباراتية واللوجستية ضرورة لا نقاش فيها، فإن الاستعداد المدني والاقتصادي يجب ألا يكون أقل أهمية، خصوصًا أن الأزمات لا تأتي دائمًا في صورة حرب؛ فقد تكون زلزالًا أو فيضانًا أو كارثة تُعطل الخدمات وتضع المدن أمام اختبار حقيقي.
بالتالي، بات من الضرورة الحذر لمثل تلك الأزمات أو الحروب، عبر التركيز على البنى التحتية بشكل أكبر؛ فالحديث عن البنية التحتية للحماية المدنية ليس ترفًا ولا تشاؤمًا، بل جزء من التخطيط للمستقبل.
ومن المعروف أن أقل شيء يجب الاهتمام به قُبيل حدوث حرب، أن تكون هناك ملاجئ تحمي المواطنين من حمم القنابل والصواريخ والتفجيرات.. الأمر الذي يعني أنه يجب الإجابة على الأسئلة التالية: هل يعرف الأردني أين يذهب إذا اضطر إلى الاحتماء؟، هل توجد ملاجئ قريبة، مجهزة وقابلة للاستخدام الفوري؟، هل جرى حصرها وفحصها وتأهيلها؟، هل يعرف المواطن أصلًا أين يوجد أقرب ملجأ إليه؟.
والسؤال هنا: هل الأردن مستعد لمثل ذلك في حال نشبت حرب مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، خصوصًا أن ذلك قد يكون قريبًا جراء ما يقوم به الاحتلال من جرائم بشعة بحق الفلسطينيين وضم أراض جديدة وبناء مستوطنات، وكذلك ما يتم تدواله من تقارير، أكانت إعلامية أم استخباراتية عالمية، بأن المنطقة على وشك الانفجار، وقد يتبع ذلك «إزاحة جغرافية»، بمعنى قضم أراض على حساب دولة ما، وزيادة مساحة دولة أُخرى.
قد يكون هذا الكلام أو التحليل أو الرؤية ليس وقته، أو من المُبكر الحديث عن مثل تلك «الإزاحة الجغرافية»، لكن من الضروري التيقظ جيدًا من أجل أن تكون البنى التحية في الأردن شبه جاهزة لكل الاحتمالات.
وهنا، يتوجب الإشارة إلى التجربة السويسرية، باعتبارها نموذجًا يستحق الدراسة.. فسويسرا تمتلك نحو 305 آلاف ملجأ خاص وعام، تتسع أو توفر حماية لقرابة 8.6 مليون شخص، أي ما يزيد على عدد سكانها؛ وقد صُممت هذه المنشآت أساسًا لحماية السكان في النزاعات المسلحة، ويمكن استخدامها كذلك في الكوارث والطوارئ.
لا أحد يتمنى الحرب، ولا ينبغي بناء السياسات على افتراض حتمية وقوعها؛ إذ يتوجب علينا أن نكون مستعدين لأسوأ الاحتمالات، بما يشمل ذلك إنشاء ملاجئ جديدة، وتأهيل القائم منها، وربطها بخطط الطوارئ، وتحديد المناطق الأكثر حاجة إليها في حال نشوب حرب.
أتذكر، ومنذ السنوات الأولى من عمري، أن أحياء عدة في مدينتي إربد كانت تضم ملاجئ؛ بعضها اختفى مع مرور السنوات، وربما بقي بعضها الآخر، لكنه يحتاج إلى إعادة تأهيل وتجهيز.. الأهم هو أن يكون في كل مناطق الأردن ملاجئ تُستخدم وقت الطوارئ.
الأمر لا يتعلق بالحرب وحدها؛ فالأردن معرض أيضًا لمخاطر طبيعية، بينها الزلازل والسيول والفيضانات والانهيارات.. البنك الدولي يُشير إلى أن مدن عمان والزرقاء وإربد تقع ضمن نطاق قريب من فالق البحر الميت التحويلي.
الأصل ألا تحتاج أي دولة إلى انتظار حرب أو كارثة حتى تبدأ التفكير في ذلك؛ فالمطلوب خطة وطنية للحماية المدنية تبدأ بجرد الملاجئ القديمة، وفحص صلاحيتها، وتأهيل القابل منها، وإنشاء أُخرى جديدة وفق الحاجة، فضلًا عن التركيز على البنية التحتية الأُخرى كالمستشفيات والمدارس وشبكات المياه والكهرباء والاتصالات.
الحذر، لا يبدأ عندما تسقط أول قذيفة، ولا عندما يهتز أول مبنى بفعل زلزال؛ بل يبدأ قبل ذلك بسنوات.. والمواطن الذي نطالبه بالصمود في الأزمات، من حقه أن يعرف أين يحتمي عندما تبدأ الأزمة.







