هل الأردن قادر على تزويد سوريا ولبنان بالغاز دون التأثير على احتياجاته وأولوياته؟
قالت أمين عام وزارة الطاقة والثروة المعدنية المهندسة أماني العزام إن الأردن يمتلك بنية تحتية متطورة ومصادر متعددة للتزود بالغاز الطبيعي، بما يتيح له تلبية احتياجات نظامه الكهربائي والقطاعات المحلية، إلى جانب الإسهام في تلبية احتياجات الأشقاء في سوريا ولبنان، وتعزيز دوره في نقل الطاقة وتبادلها على المستوى الإقليمي.
وأوضحت، في حديث إذاعي، رصدته صحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أن الأردن بدأ بالفعل بتزويد سوريا بالغاز الطبيعي وفق احتياجاتها اليومية، فيما لم يبدأ التزويد إلى لبنان حتى الآن، بانتظار استكمال جاهزية البنية التحتية اللبنانية والتأكد من جاهزية خط الغاز ومحطة التوليد التي ستستقبل الغاز.
وبيّنت العزام أن خط الغاز العربي يشكل أحد المقومات الرئيسية التي مكنت الأردن من القيام بهذا الدور، إذ يمتد الخط من مصر مرورًا بالأردن وسوريا وصولًا إلى لبنان، الأمر الذي يوفر بنية تحتية قائمة يمكن استخدامها لنقل الغاز بين الدول الأربع، ويمنح الأردن موقعًا مهمًا في منظومة نقل الطاقة إقليميًا.
وأضافت أن الكمية التعاقدية المخصصة لتزويد لبنان بالغاز تبلغ نحو مليوني متر مكعب يوميًا، إلا أن عملية التزويد لم تبدأ بعد، في حين تبلغ الكمية التعاقدية المخصصة لسوريا نحو أربعة ملايين متر مكعب يوميًا، ويتم تزويدها بحسب احتياجاتها الفعلية، المرتبطة بجاهزية محطات التوليد والأحمال الكهربائية لديها.
الأردن جاهز.. ولبنان يستكمل البنية التحتية
وبيّنت العزام أن الأردن استكمل من جانبه الترتيبات والموافقات اللازمة لتزويد لبنان بالغاز، وأن التأخير الحالي لا يرتبط بالجانب الأردني، وإنما باستكمال التجهيزات داخل الأراضي اللبنانية.
وقالت إن شركة لبنانية تعمل حاليًا على إجراء الإصلاحات اللازمة لخط الغاز داخل لبنان، إضافة إلى أعمال مرتبطة بالمناطق الواقعة بين سوريا ولبنان، فضلًا عن التحقق من جاهزية محطة التوليد اللبنانية التي ستُزوَّد بالغاز.
وأضافت أن العمل وصل إلى مراحله النهائية، متوقعة أن تصبح البنية التحتية اللبنانية جاهزة للتزويد خلال مدة أقصاها شهر، وبعد استكمال هذه الترتيبات سيكون الأردن جاهزًا للبدء بعملية تزويد لبنان بالغاز.
وأشارت إلى أن الاتفاقيات المنظمة للعمل تشمل اتفاقية لبيع الغاز من الأردن إلى لبنان، إلى جانب ترتيبات مرتبطة بعبور الغاز عبر الأراضي السورية، باعتبار أن الغاز المتجه إلى لبنان سيمر عبر خط الغاز العربي داخل سوريا.
وذكرت العزام أن خط الغاز الموجود داخل سوريا جاهز، وأن الأردن حصل على الموافقات اللازمة من جانبه، فيما تنتظر عملية التزويد استكمال لبنان للترتيبات الفنية المطلوبة.
سوريا: التزويد مرتبط بالحاجة اليومية
وفي ما يتعلق بسوريا، أوضحت أن الكمية التعاقدية تصل إلى نحو أربعة ملايين متر مكعب يوميًا، لكنها لا تعني بالضرورة ضخ هذه الكمية بصورة ثابتة كل يوم، وإنما يتم تحديد الكميات وفق احتياجات الجانب السوري.
وقالت إن تحديد الكمية اليومية يرتبط بجاهزية محطات التوليد والأحمال الكهربائية، وبالتالي فإن الأردن يزود سوريا بالغاز وفق الحاجة الفعلية وبما يتناسب مع متطلبات تشغيل منظومة الكهرباء لديها.
وذكرت أن هذا النموذج يتيح الاستفادة من البنية التحتية القائمة بصورة مرنة، بحيث تتكيف كميات الغاز المنقولة مع الاحتياجات الفعلية للدول المستفيدة.
أربع ركائز لتأمين الغاز في الأردن
وفيما يتعلق بتأمين احتياجات الأردن المحلية، شددت العزام على أن تزويد سوريا ولبنان بالغاز لا يأتي على حساب احتياجات المملكة، مؤكدة أن الأولوية في جميع الظروف تبقى للنظام الكهربائي الأردني.
وقالت إن الأردن يمتلك عدة مصادر للتزود بالغاز الطبيعي، وهو ما يوفر مرونة في إدارة احتياجات المملكة ويتيح تلبية الطلب المحلي بالتوازي مع القيام بدوره في مساندة الأشقاء.
وأوضحت أن من أبرز هذه المصادر سفينة التغويز العائمة الموجودة في العقبة، والتي تستخدمها المملكة لتوفير الغاز في حالات الطوارئ أو عند ارتفاع الأحمال الكهربائية، بحيث تغطي الفارق بين احتياجات النظام الكهربائي الأردني وكميات الغاز التي يتم توفيرها عبر خطوط الأنابيب.
وأضافت أن هذه الإمكانات تتيح للأردن استيراد الغاز من الأسواق العالمية عبر سفينة التغويز عند الحاجة، ومن ثم استخدامه لتغطية الاحتياجات المحلية أو تلبية احتياجات سوريا ولبنان، وفق الكميات المطلوبة ودون التأثير على أمن التزود بالطاقة في المملكة.
"الأولوية للنظام الكهربائي الأردني"
وشددت العزام على أن الأولوية المطلقة في حالات الطوارئ تبقى للنظام الكهربائي الأردني، موضحة أنه في حال حدوث انقطاع في أحد مصادر التزويد عبر الأنابيب، أو وقوع أي ظرف استثنائي يؤثر في إمدادات الغاز، فإن احتياجات المملكة تأتي أولًا قبل أي طرف آخر.
وقالت إن الأردن يعمل على تلبية احتياجات الأشقاء "بما لا يؤثر على تزويد المملكة"، مضيفة أن القدرات المتاحة حاليًا تسمح بالتعامل مع احتياجات سوريا ولبنان، لا سيما أن الطلب المتوقع من الجانبين ليس مرتفعًا مقارنة بحجم احتياجات النظام الكهربائي الأردني.
وتابعت أن استخدام سفينة التغويز في أوقات ارتفاع الأحمال يوفر للمملكة هامشًا إضافيًا من المرونة، ويعزز قدرتها على إدارة مصادر التزويد وفقًا للطلب.
غاز الريشة.. مصدر محلي يعزز أمن الطاقة
ولفتت العزام إلى أهمية الغاز الطبيعي المحلي المنتج من حقل الريشة، باعتباره أحد المصادر التي يمكن أن تعزز أمن التزود بالطاقة في المملكة مستقبلًا.
وأوضحت أن استخدام الغاز المحلي في الوقت الحالي ضمن قطاع الكهرباء ما يزال محدودًا، إذ يُستخدم لتشغيل توربينين غازيين بقدرة تصل إلى نحو 60 ميغاواط، إلا أن تطور الإنتاج في حقل الريشة من شأنه أن يرفع مساهمته تدريجيًا في منظومة الطاقة الأردنية.
وأشارت إلى أن الوزارة بدأت كذلك الإجراءات اللازمة لتنفيذ خط الغاز الذي سيربط حقل الريشة بمنطقة الخناصر، حيث يرتبط بشبكة خط الغاز العربي، مؤكدة أن زيادة كميات الغاز المحلي ونقلها عبر هذه البنية التحتية ستعزز إمدادات النظام الكهربائي الأردني وتدعم أمن الطاقة.
وقالت إن ارتفاع إنتاج حقل الريشة وربطه بالشبكة سيمنح الأردن مصدرًا إضافيًا للغاز، إلى جانب المصادر الأخرى، بما يزيد من مرونة النظام في مواجهة ارتفاع الطلب أو أي طارئ قد يؤثر في أحد مصادر التزويد.
هل تتحول البنية التحتية إلى مصدر عائد اقتصادي؟
وفيما يتعلق بالجدوى الاقتصادية من استخدام البنية التحتية الأردنية في نقل كميات أكبر من الغاز، أوضحت العزام أن مرور كميات أكبر عبر خط الغاز العربي يمكن أن يسهم في خفض كلف نقل الغاز عبر الخط.
وبيّنت أن زيادة استخدام البنية التحتية القائمة تتيح الاستفادة منها بصورة أوسع، وهو ما يمكن أن ينعكس على كلفة النقل، إلى جانب ما يمثله ذلك من أهمية استراتيجية للأردن في منظومة الطاقة الإقليمية.
ونوّهت العزام في الوقت ذاته إلى أن الهدف الأساسي من الترتيبات الحالية يتمثل في مساندة الأشقاء في سوريا ولبنان وتلبية احتياجاتهم من الغاز، مع الاستفادة في الوقت نفسه من الإمكانات المتوافرة لدى الأردن في مجال البنية التحتية والطاقة.
الأردن يتحول من مستهلك للطاقة إلى حلقة وصل إقليمية
وتكشف الترتيبات الحالية، وفق العزام، عن إمكانات تتجاوز مجرد بيع الغاز أو نقله، إذ إن امتلاك الأردن لشبكة خطوط ومرافق تخزين وتغويز ومصادر متعددة للتزود، إلى جانب تطوير مصادر الغاز المحلية، يمنحه قدرة أكبر على أداء دور في حركة الطاقة الإقليمية.
فخط الغاز العربي، الممتد عبر مصر والأردن وسوريا وصولًا إلى لبنان، يمثل أساسًا لربط أسواق الطاقة في المنطقة، فيما تتيح مصادر الأردن المتعددة التعامل مع متطلبات النقل والتزويد بقدر أكبر من المرونة.
وفي هذا السياق، أكدت العزام أن الأردن قادر، في الظروف العادية، على تلبية احتياجات الأشقاء في سوريا ولبنان من الغاز، مع الحفاظ على أولوية احتياجات المملكة، وهو ما يعكس، بحسب حديثها، تطور البنية التحتية للطاقة وقدرتها على التعامل مع أكثر من مسار للتزويد.
الاختبار الحقيقي: إدارة التوازن بين الداخل والإقليم
وتبرز في هذا الملف معادلة أساسية تتمثل في قدرة الأردن على الجمع بين دوره الإقليمي في نقل الطاقة وبين ضمان أمن التزويد المحلي، وهي معادلة قالت العزام إن الوزارة تتعامل معها من خلال تعدد مصادر الغاز ووجود بدائل يمكن اللجوء إليها عند ارتفاع الطلب أو حدوث طوارئ.
وأكدت أن احتياجات النظام الكهربائي الأردني ستظل في مقدمة الأولويات، فيما يجري تزويد الدول الشقيقة بالكميات التي تحتاجها ضمن الإمكانات المتاحة، وبما لا يؤثر على استقرار منظومة الطاقة في المملكة.
وبذلك، لا تقتصر أهمية الترتيبات المتعلقة بسوريا ولبنان على كميات الغاز التي سيجري نقلها، وإنما تمتد إلى اختبار قدرة البنية التحتية الأردنية على أداء دور إقليمي أوسع في قطاع الطاقة، والاستفادة من موقع المملكة وشبكاتها ومصادرها المتعددة في بناء منظومة أكثر ترابطًا بين دول المنطقة.
وفي الوقت الذي ينتظر فيه لبنان استكمال جاهزيته الفنية لبدء استقبال الغاز، يستمر الأردن في تزويد سوريا وفق احتياجاتها اليومية، بينما تعمل المملكة على تعزيز مصادرها المحلية، وفي مقدمتها حقل الريشة، وتطوير شبكة النقل، بما يفتح المجال أمام توسيع دورها في تجارة ونقل الطاقة إقليميًا، مع بقاء القاعدة التي أكدت عليها العزام واضحة: احتياجات النظام الكهربائي الأردني أولًا، ومساندة الأشقاء ضمن الإمكانات التي لا تؤثر على أمن الطاقة في المملكة.







