الشارع الإيراني يغلي... احتقان اجتماعي وسياسي متسارع
1. إيران تمتلك بنية أمنية شديدة التعقيد والتعدد
2. عناصر الباسيج تتفاوت بدرجة التدريب والكفاءة العسكرية
3. تكمن وظيفة الباسيج الأهم في قدرته على اختراق البنية الاجتماعية والوصول إلى مستوياتها المحلية الأكثر عمقًا
4. الباسيج يتموضع داخل الأحياء والمناطق والمساجد والحسينيات
5. غياب الاحتجاجات الواسعة لا يمكن أن يُقرأ باعتباره دليلًا قاطعًا على غياب الاحتقان الشعبي
6. الاحتقان الاجتماعي قد يكون قائمًا إلا أن شروط تحوله إلى حراك جماهيري واسع لم تتبلور بعد
7. المعضلة الحقيقية أمام النظام الإيراني عندما يتحول الاحتقان إلى حركة متزامنة ومتواترة تشمل مدنًا ومناطق متعددة
8. قدرة النظام على ضبط الشارع ستظل قائمة ما دامت الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قابلة للاحتواء إلا أن هذه القدرة ليست مطلقة أو غير محدودة
قال مدير وحدة الدراسات الإيرانية في مركز الإمارات للسياسات، الدكتور محمد الزغول إن قراءة المشهد الداخلي الإيراني، ولا سيما مستوى التماسك الأمني وقدرة النظام على احتواء أي تحركات اجتماعية محتملة، تستوجب عدم اختزال المنظومة الأمنية الإيرانية في قوات الباسيج وحدها.
وأوضح في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أن إيران تمتلك بنية أمنية شديدة التعقيد والتعدد، تتداخل فيها أجهزة الاستخبارات والأمن التقليدية مع منظومات أمنية موازية، إلى جانب أجهزة خاصة مرتبطة بمراكز القوة والمؤسسات السيادية المختلفة.
وبيّن الزغول أن الباسيج، من الناحية الوظيفية، يشكل، في جوهره، بنية واسعة للتعبئة الاجتماعية والعقائدية، تستند إلى قاعدة بشرية كبيرة من المؤيدين لمنظومة الثورة وولاية الفقيه، مشيرًا إلى أن عناصره تتفاوت بدرجة التدريب والكفاءة العسكرية، فيما تكمن وظيفته الأهم في قدرته على اختراق البنية الاجتماعية والوصول إلى مستوياتها المحلية الأكثر عمقًا.
وأشار إلى أن الباسيج يبدأ، في بعض الحالات، باستقطاب أفراده منذ مراحل عمرية مبكرة، ويستمر ارتباط بعضهم به حتى أعمار متقدمة، الأمر الذي يجعله أقرب إلى منظومة اجتماعية ممتدة ذات وظيفة أمنية وردعية، لا مجرد قوة عسكرية تستخدم في مواجهة الاحتجاجات، مستطردًا أن الباسيج يتموضع داخل الأحياء والمناطق والمساجد والحسينيات، بما يتيح له ممارسة نوع من الانتشار الأمني الأفقي الذي يجعل حضوره متصلًا بالبيئة الاجتماعية بصورة مباشرة.
وذكر أن هذا الانتشار المكثف اكتسب، منذ اندلاع الحرب، دلالة ردعية مضاعفة؛ إذ إن وجود عناصر الباسيج في مختلف المناطق لا يعني بالضرورة استعدادهم لخوض مواجهات عسكرية، بقدر ما يحمل رسالة مفادها أن النظام حاضر في المجال العام، ويراقب احتمالات تشكل أي حراك اجتماعي، الأمر الذي يرفع، بصورة كبيرة، الكلفة المتوقعة للمبادرة بالاحتجاج ويجعل قرار النزول إلى الشارع أكثر تعقيدًا بالنسبة إلى الأفراد.
ولفت الزغول إلى أن المنظومة الأمنية الإيرانية لا تقف عند حدود الباسيج، إذ تضم قوات الشرطة والأجهزة الأمنية والاستخبارية المتعددة، فضلًا عن وجود أطر أمنية خاصة مرتبطة بمؤسسات ومراكز نفوذ مختلفة، بما فيها القيادة العليا والحرس الثوري والحكومة والمؤسسة الدينية، وهو ما يخلق شبكة أمنية متداخلة تتجاوز مفهوم الجهاز الواحد إلى منظومة متعددة المستويات للضبط والاحتواء والمراقبة.
ونوّه إلى أن غياب الاحتجاجات الواسعة لا يمكن، بأي حال من الأحوال، أن يُقرأ باعتباره دليلًا قاطعًا على غياب الاحتقان الشعبي، موضحًا أن الاحتقان الاجتماعي قد يكون قائمًا، إلا أن شروط تحوله إلى حراك جماهيري واسع لم تتبلور بعد.
واستطرد الزغول قائلًا إن طبيعة المجتمع الإيراني تجعل الحراك المحدود في مدينة أو منطقة واحدة أكثر قابلية للاحتواء والقمع، بينما تكمن المعضلة الحقيقية أمام النظام في اللحظة التي يتحول فيها الاحتقان إلى حركة متزامنة ومتواترة تشمل مدنًا ومناطق متعددة، بما يفوق قدرة الأجهزة الأمنية على الاستجابة الموضعية.
وأضاف أن أحد العوامل التي تعيق تشكل هذا النوع من الحراك يتمثل في القيود المفروضة على فضاء الاتصال الرقمي، إذ إن ضعف سرعة الإنترنت، وحجب عدد من منصات التواصل الاجتماعي، والاعتماد على تطبيقات بديلة تخضع بدرجات متفاوتة للرقابة، كلها عوامل تحد من قدرة المحتجين على التنسيق وبناء شبكات اتصال قادرة على تحويل السخط الفردي إلى فعل جماعي منظم.
وأشار الزغول إلى أن تفسير حالة الهدوء النسبي داخل إيران تحكمه مجموعة من الاعتبارات المتشابكة، من بينها وجود نزعة لدى قطاعات من المجتمع الإيراني للتوحد أمام التهديد الخارجي، فضلًا عن حضور فكرة الدولة الإيرانية بوصفها كيانًا تاريخيًا مستقلًا في الوعي الجمعي، مشددًا على أن هذا العامل، رغم أهميته، لا يكفي وحده لتفسير غياب التحرك الشعبي، لأن الردع الأمني وارتفاع كلفة الاحتجاج يظلان عاملين أكثر تأثيرًا في تفسير السلوك الاجتماعي الراهن.
وقال إن طبيعة الاستهداف الأمني تغيرت بصورة ملحوظة مقارنة بمراحل احتجاجية سابقة، موضحًا أن المواطن الإيراني بات يدرك أن المشاركة في أي حراك قد لا تفضي فقط إلى الاعتقال أو الغرامة أو الاحتجاز، وإنما قد تترتب عليها مخاطر أشد، وهو ما يجعل حسابات الخروج إلى الشارع مرتبطة بكلفة شخصية وأمنية مرتفعة للغاية، وبالتالي يدفع قطاعات من المجتمع إلى الانتظار بدلًا من المبادرة.
وفي ما يتعلق بالتداخل بين الأزمة الأمنية والأزمة الاقتصادية، أوضح الزغول أن قدرة النظام على ضبط الشارع ستظل قائمة ما دامت الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قابلة للاحتواء، إلا أن هذه القدرة ليست مطلقة أو غير محدودة، مشيرًا إلى أن استمرار تراكم الأزمات يمكن أن يقود، في مرحلة معينة، إلى تجاوز النقمة الشعبية للقدرة التقليدية لأجهزة الأمن على الاحتواء.
وأضاف أن السيناريو المحتمل في هذه الحالة لا ينبغي بالضرورة أن يُختزل في مفهوم "الثورة" أو إعادة إنتاج احتجاجات سابقة، إذ قد يكون البديل الأكثر واقعية هو الدخول في حالة من الفوضى الاجتماعية والسياسية التي يصعب التنبؤ بمآلاتها أو بالقوى التي ستنتج عنها، وهو ما يجعل هذا السيناريو، بحسب تقديره، مصدر قلق ليس لإيران وحدها، وإنما لمختلف القوى الإقليمية والدولية المعنية باستقرار المنطقة.
وانتقل الزغول إلى قراءة قدرة النظام الإيراني على الصمود، مشيرًا إلى أن أحد أبرز التطورات التي فاجأت الحسابات الاستراتيجية الأمريكية والإسرائيلية تمثل في تماسك النظام رغم استهداف عدد كبير من قياداته العليا، إذ كانت تقديرات سابقة تفترض أن إضعاف البنية القيادية سيؤدي إلى انهيار النظام، غير أن النتيجة جاءت مختلفة، وهو ما يكشف، بحسب رأيه، عن قصور في قراءة طبيعة الدولة الإيرانية وبنيتها الداخلية.
وذكر أن تفسير هذا التماسك يرتبط بكون إيران ليست دولة ذات مؤسسات تقليدية فحسب، وإنما تقوم على بنية مركبة تجمع بين الدولة والثورة، والمؤسسات الرسمية والمؤسسات الموازية، والأجهزة الأمنية والأذرع العقائدية، إلى جانب منظومة فكرية وأيديولوجية متجذرة في المجتمع. وأضاف أن هذه البنية تمنح النظام قدرة على إعادة إنتاج نفسه وتعويض الخسائر القيادية، بما يقلل من أثر الضربات التي تستهدف رأس الهرم وحده.
وأشار إلى أن فهم السلوك الإيراني يستلزم كذلك استحضار الأبعاد التاريخية والثقافية والطائفية التي تشكلت عبر قرون، مستطردًا أن الذاكرة التاريخية الإيرانية، وما يرتبط بها من تصورات حول الدولة والهوية والمظلومية والخوف من فقدان الاستقلال، تؤدي دورًا مهمًا في تفسير قدرة النظام على الحفاظ على قدر من التماسك في أوقات الأزمات.
وذكر الزغول أن التعامل مع إيران باعتبارها "عدوًا ينبغي هزيمته" قد يكون مقاربة قاصرة عن استيعاب تعقيدات الحالة الإيرانية، مشددًا على أن إيران، في تقديره، تمثل "معضلة ينبغي حلحلتها"؛ لأن هزيمة دولة بهذا الحجم والتعقيد لا تعني بالضرورة إنتاج واقع أكثر استقرارًا، بل قد تفضي إلى تداعيات أمنية وسياسية واجتماعية يصعب ضبطها، وقد تكون كلفتها أكبر من المكاسب المتوقعة.
وأضاف أن جوهر المقاربة الأكثر واقعية يتمثل في الانتقال من منطق المعادلة الصفرية إلى منطق إدارة المصالح والتعايش الإقليمي، بحيث يجري التعامل مع إيران باعتبارها جزءًا من معادلة المنطقة، لا باعتبارها مشكلة يمكن اختزالها في إسقاط النظام أو إقصاء الدولة، ذلك أن الوصول إلى مثل هذا المسار يتطلب معالجة جذور الإشكال الإيراني بأبعاده الثقافية والطائفية والاجتماعية والسياسية والإقليمية، بدل الاكتفاء بمعالجة مظاهره الأمنية.
ولفت إلى أن السياسات الغربية، ولا سيما الأمريكية، أسهمت خلال العقود الماضية في تعقيد بعض هذه التوازنات، من خلال إدارة التناقضات الطائفية والإقليمية بدل السعي بصورة حاسمة إلى تفكيك جذورها، مشيرًا إلى أن التجربة العراقية والسورية وغيرها أظهرت في مراحل مختلفة وجود تداخل بين القوة الأمريكية الجوية والنفوذ الإيراني البري، الأمر الذي يستدعي إعادة قراءة طبيعة التفاعلات التي حكمت الإقليم خلال العقدين الماضيين.
وفي السياق ذاته، شكك الزغول في فرضية أن الولايات المتحدة تسعى بالضرورة إلى إسقاط النظام الإيراني أو إدخال البلاد في حالة فوضى شاملة، معتبرًا أن واشنطن، لو كانت تمتلك رغبة حاسمة في إسقاط النظام، لكانت أمام فرص تاريخية متعددة كان يمكن استثمارها لتحقيق ذلك، متابعًا أن الحسابات الأمريكية تتجاوز الداخل الإيراني إلى منظومة أوسع ترتبط بموقع إيران في النظام الدولي، وعلاقتها بالصين وروسيا، وتأثيرها في توازنات الشرق الأوسط، ومستقبل التحالفات الإقليمية، ومدى حاجة دول المنطقة إلى الدور الأمريكي في ترتيبات الأمن الإقليمي.
وخلص إلى أن المعضلة الإيرانية متعددة الأبعاد، ولا يمكن تفكيكها عبر مقاربة أمنية أو عسكرية منفردة، إذ تحتاج إلى مسار طويل الأمد يأخذ في الاعتبار تشابك العوامل التاريخية، والثقافية، والطائفية، والاجتماعية، والسياسية، والجيوسياسية، مضيفًا أن الهدف الأكثر واقعية ينبغي أن يتمثل في الوصول إلى صيغة إقليمية قائمة على العيش المشترك، واحترام السيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وتحقيق المصالح المتبادلة، بدل استمرار التعامل مع المنطقة وفق منطق أن مكسب طرف لا يتحقق إلا بخسارة الطرف الآخر.







