اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

ما الذي يدفع المواطن الأردني للبحث عن المعلومات خارج القنوات الرسمية؟

{title}
أخبار الأردن -

قال المختص في الخطاب الإعلامي الدكتور فيصل أبو قاعود إن تنامي حضور الصفحات والمنصات الرقمية غير المعروفة الهوية، لا ينبغي النظر إليه بمعزل عن التحولات التي طرأت على علاقة الجمهور بالمعلومة ومصادرها، معتبرًا أن أهمية هذه الظاهرة تكمن في التساؤل حول رغبة الجمهور الملحة للبحث عن المعلومات خارج القنوات الرسمية والإعلامية التقليدية.

وأوضح في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أن انتشار مثل هذه المنصات قد يكون، في أحد أبعاده، انعكاسًا لحالة من فجوة الثقة بين الجمهور وبعض المؤسسات، مستطردًا أن المواطن عندما يشعر بأن بعض الملفات لا تحظى بالقدر الكافي من التفسير، أو أن المعلومات الرسمية تصل إليه بصورة مقتضبة أو متأخرة، فإنه يصبح أكثر ميلًا إلى البحث عن مصادر بديلة تمنحه إجابات عن الأسئلة التي تشغله، حتى وإن كانت تلك المصادر تفتقر إلى الوضوح المؤسسي أو الهوية المهنية.

وبيّن أبو قاعود أن الجمهور لا يتفاعل عادة مع مفهوم الفساد بوصفه مصطلحًا عامًا، بقدر ما يتفاعل مع القصة التي تقف خلفه، والأسئلة التي تثيرها، ومن بينها: ماذا حدث؟ ومن المسؤول؟ وكيف وقع الخلل؟ وهل كانت هناك جهات على علم بما يجري؟ ولماذا لم تتم المعالجة أو المحاسبة؟.

ولفت إلى أن هذا النمط من تقديم المعلومات يمنح المتلقي شعورًا بأن هناك من يفتح ملفات لا تُفتح عادة، ويقترب من مناطق رمادية لا يجد فيها الجمهور إجابات واضحة، مبينًا أن هذا الشعور قد يكون أحد العوامل التي تفسر ارتفاع معدلات التفاعل مع هذا النوع من المحتوى الرقمي.

وفي المقابل، شدد أبو قاعود على ضرورة التعامل مع هذه الظاهرة بقدر عالٍ من الحذر والموضوعية، متابعًا أن القدرة على جذب الجمهور لا تعني بالضرورة امتلاك الحقيقة، وأن قوة السرد أو كثرة التفاصيل لا يمكن أن تحل محل الأدلة القابلة للتحقق.

وأضاف أن الوثيقة، مهما كانت طبيعتها، لا تعني تلقائيًا ثبوت الجريمة أو المسؤولية، كما أن الاتهام لا يساوي الإدانة، وورود اسم شخص أو مؤسسة في سياق قضية لا يعني بالضرورة ثبوت المسؤولية القانونية أو الأخلاقية، ما يستدعي الفصل بوضوح بين الشبهة والواقعة، وبين الادعاء والحقيقة، وبين التحقيق الصحفي والحكم القضائي.

وأشار أبو قاعود إلى أن قيمة أي منصة تدعي كشف الملفات ينبغي أن تقاس بقدرتها على تقديم معلومات يمكن التحقق منها، وإظهار السياق الكامل للقضية، ومنح الأطراف المعنية حق الرد، والتمييز بصورة صريحة بين المعلومات المثبتة والاستنتاجات والتقديرات.

ورأى أن التعامل مع المنصات غير الرسمية بمنطق الرفض المطلق لا يمثل معالجة حقيقية للمشكلة، كما أن منحها ثقة مطلقة لمجرد أنها تتحدى الرواية الرسمية لا يقل خطورة، موضحًا أن المعيار الذي ينبغي الاحتكام إليه في الحالتين هو الدليل، وقابلية التحقق، والتوازن، والشفافية.

وفي هذا السياق، قال أبو قاعود إن انتشار هذه المنصات يحمل رسالة ينبغي أن تلتقطها المؤسسات الرسمية، تتمثل في أن الجمهور لا يبحث بالضرورة عن رواية بديلة للرواية الرسمية، وإنما يبحث عن رواية كاملة ومقنعة وقابلة للفهم، مبينًا أن غياب المعلومة أو تأخرها يفتح المجال تلقائيًا أمام التأويلات والروايات البديلة.

وأضاف أن المؤسسة التي تقدم المعلومة في الوقت المناسب، وتشرح خلفيات القرارات، وتجيب عن الأسئلة الصعبة، وتتعامل بشفافية مع الملفات التي تثير اهتمام الرأي العام، تكون أكثر قدرة على حماية ثقة الجمهور من المؤسسة التي تكتفي بالبيانات المقتضبة أو الاستجابات المتأخرة.

ولفت أبو قاعود إلى أن المسألة لا تقع على عاتق المؤسسات الرسمية وحدها، وإنما تمتد أيضًا إلى الإعلام المهني، الذي يواجه تحديًا متزايدًا يتمثل في قدرته على الوصول إلى المعلومات والوثائق، والتحقق منها، ووضعها في سياقها، ومتابعة القضايا حتى نهاياتها، بدل الاكتفاء بنقل التصريحات أو البيانات الرسمية.

وذكر أن الإعلام المهني يظل عنصرًا أساسيًا في ضبط العلاقة بين الوثيقة والجمهور، خصوصًا في ظل بيئة رقمية تتسارع فيها دورة إنتاج المعلومات، وتتداخل فيها الأخبار مع الآراء والانطباعات، وتصبح فيها المعلومة غير الموثقة قادرة على الانتشار قبل أن تتمكن المؤسسات المهنية من التحقق منها.

وأشار أبو قاعود إلى أن الجمهور يتحمل بدوره مسؤولية أساسية في التعامل مع هذا النوع من المحتوى، إذ إن الرغبة في معرفة الحقيقة يجب ألا تتحول إلى قبول تلقائي بكل ما ينشر تحت عناوين من قبيل "كشف المستور" أو "الملفات المسكوت عنها"، مستطردًا أن ارتفاع الوعي الإعلامي يقتضي إخضاع المعلومات المتداولة للفحص والمقارنة والتحقق، بصرف النظر عن الجهة التي نشرتها.

وقال أبو قاعود إن ارتفاع الطلب على المعلومات خارج القنوات الرسمية يمكن أن يكون مؤشرًا على وجود فجوة تحتاج إلى المعالجة، سواء تعلقت بسرعة الاستجابة، أو مستوى الشفافية، أو قدرة المؤسسات على تفسير قراراتها، أو طبيعة العلاقة القائمة بين المواطن ومؤسسات الدولة.

وأضاف أن معالجة هذه الفجوة لا تكون بمحاولة إسكات الروايات البديلة أو الدخول في مواجهة مباشرة مع منصات التواصل الاجتماعي، وإنما بجعل الرواية الرسمية أكثر سرعة ووضوحًا وشمولًا وقدرة على الإجابة عن الأسئلة التي يطرحها المجتمع، موضحًا أن أفضل وسيلة لمواجهة المعلومات غير الموثوقة هي توفير معلومات موثوقة ومتكاملة في الوقت المناسب.

ونوّه أبو قاعود إلى أن الثقة لا يمكن أن تُفرض بقرار، ولا تُستعاد بمجرد مطالبة الجمهور بها، فهي تُبنى تدريجيًا من خلال المعلومة الدقيقة، والشفافية، والاعتراف بالخطأ عندما يقع، وسرعة التوضيح، وإتاحة البيانات، والقدرة على فتح الملفات ومناقشتها ضمن الأطر القانونية والمؤسسية.

وخلص إلى أن انتشار منصات من هذا النوع ينبغي أن يُقرأ باعتباره مؤشرًا على تحولات أعمق في البيئة الإعلامية والمجتمعية، مضيفًا أن المواطن الأردني لا يبحث بالضرورة عن رواية تناقض الرواية الرسمية، بقدر ما يبحث عن حقيقة كاملة يستطيع الوثوق بها، وأن استمرار غياب هذه الحقيقة أو تأخرها سيبقي المجال مفتوحًا أمام مصادر أخرى لتقديم رواياتها، صحيحة كانت أم ناقصة أم قابلة للتأويل.

تابعونا على جوجل نيوز
البحر المتوسط لإدارة المواقع الإخبارية الالكترونية