نتنياهو وإغراء إشعال المنطقة.. البقاء عبر صناعة الأزمة
حوار خاص مع الكاتب والباحث في الصحافة العبرية الدكتور حيدر البستنجي
إن المشهد السياسي الإسرائيلي يتجه نحو مرحلة لا يمكن التنبؤ بمصيرها، في ظل تراجع موقع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو انتخابيًا، وتصاعد المنافسة داخل معسكر اليمين.
ووفقًا للكاتب والباحث في الصحافة العبرية الدكتور حيدر البستنجي فإن نتنياهو قد يجد نفسه أمام معادلة سياسية تدفعه إلى البحث عن وسائل جديدة لتأجيل خروجه من السلطة، بما في ذلك إعادة توظيف الأزمات الإقليمية لصالح بقائه السياسي.
وأوضح أن شخصية نتنياهو السياسية تقوم، وفق قراءته، على القدرة المستمرة على إدارة الأزمات وإعادة هندسة المشهد السياسي كلما اقتربت لحظة التراجع، مستحضرًا في هذا السياق فكرة المزاوجة بين البقاء الشخصي وإدارة الدولة.
وأشار البستنجي إلى أن نتنياهو يواجه ضغوطًا متزايدة على المستويين الداخلي والخارجي، لافتًا إلى أن استطلاعات الرأي، وفق المعطيات التي استند إليها، تظهر تراجعًا في قوة حزب الليكود، مقابل صعود منافسين سياسيين، وفي مقدمتهم غادي إيزنكوت، ما يضع رئيس الوزراء الإسرائيلي أمام خيارات انتخابية وائتلافية أكثر تعقيدًا.
وأضاف أن الأزمة تمتد إلى طبيعة التحالفات الممكنة، إذ يجد معسكر نتنياهو نفسه، بحسب التحليل، بعيدًا عن عتبة الأغلبية اللازمة لتشكيل حكومة مستقرة، الأمر الذي قد يدفعه إلى البحث عن مناورات سياسية غير تقليدية.
ورأى البستنجي أن من بين السيناريوهات المحتملة محاولة نتنياهو إعادة ترتيب المشهد الانتخابي من خلال استقطاب شخصيات من الوسط، أو طرح صيغ تكتيكية قد تشمل ترتيبات لتقاسم السلطة، معتبرًا أن مثل هذه المناورات تأتي في إطار محاولة توسيع هامش الحركة أمامه ومنع خصومه من تشكيل بديل سياسي قادر على إقصائه.
وفي المقابل، أشار إلى أن هذه التحركات قد تواجه عقبات داخل معسكر اليمين نفسه، خصوصًا مع التباينات بين نتنياهو وشركائه من أحزاب اليمين المتطرف، وعلى رأسهم إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش.
وذكر البستنجي أن نتنياهو يواجه تحديًا إضافيًا يتمثل في صعوبة توحيد القوى اليمينية المتشددة ضمن قائمة انتخابية واحدة، موضحًا أن الحسابات الشخصية والطموحات السياسية لقادة هذه الأحزاب قد تحول دون نجاح أي هندسة انتخابية تهدف إلى منع تشتت أصوات اليمين.
وأضاف أن التوتر يمتد إلى داخل حزب الليكود ذاته، حيث يمكن أن تثير محاولات إعادة تشكيل القوائم والتحالفات اعتراضات من قيادات وقواعد ترى أن البراغماتية السياسية المفرطة قد تأتي على حساب الهوية الأيديولوجية لمعسكر اليمين.
ونوّه البستنجي إلى أن الدور الأميركي يمثل أحد العناصر المؤثرة في مستقبل المشهد السياسي الإسرائيلي، معتبرًا أن استمرار نتنياهو في السلطة بات يواجه، وفق قراءته، ضغوطًا متزايدة مرتبطة بتراجع الثقة الدولية بالسياسات الإسرائيلية الحالية.
وقال إن الإدارة الأميركية والقوى الإقليمية قد تنظر إلى ظهور قيادة إسرائيلية أكثر مؤسسية وبراغماتية باعتباره مدخلًا محتملًا لإعادة ترتيب الملفات السياسية والأمنية في المنطقة، خصوصًا في ظل التعقيدات المتراكمة التي خلفتها الحروب والتصعيدات المتتالية.
وأضاف البستنجي أن التراجع في مستويات التأييد التقليدي لإسرائيل داخل بعض الأوساط الغربية، وتصاعد الانتقادات الموجهة للحكومة الإسرائيلية، يضيفان أبعادًا جديدة إلى الأزمة السياسية التي يواجهها نتنياهو.
وحذّر من أن أخطر ما في المرحلة يتمثل في احتمال انتقال نتنياهو من إدارة الأزمة السياسية الداخلية إلى محاولة تصديرها خارج الحدود، معتبرًا أن القيادات التي تربط بقاءها السياسي بحالة الطوارئ قد تجد في التصعيد الخارجي وسيلة لإعادة إنتاج شرعيتها الداخلية.
وأوضح البستنجي أن الضفة الغربية قد تكون إحدى الساحات المرشحة لمزيد من التوتر، في ظل ارتباطها بالمشروع الاستيطاني وصعود التيارات اليمينية المتطرفة، إلى جانب احتمالات اتساع دائرة المواجهة في ساحات إقليمية أخرى، بما فيها الجبهة اللبنانية.
وذكر أن منطق "الهروب إلى الأمام" قد يصبح أكثر حضورًا كلما شعر نتنياهو بأن الخيارات السياسية الداخلية تضيق أمامه، وأن الانتخابات المقبلة قد تشكل تهديدًا مباشرًا لمستقبله السياسي.
وخلص البستنجي إلى أن سياسة البقاء عبر إدارة الفوضى وإطالة أمد الأزمات قد تحقق مكاسب مرحلية، لكنها لا تستطيع تأجيل الاستحقاقات إلى ما لا نهاية، مضيفًا أن التاريخ السياسي يُظهر أن القيادات التي تجعل من الأزمة وسيلة دائمة للبقاء قد تجد نفسها في نهاية المطاف محاصرة بالفوضى التي أسهمت هي نفسها في صناعتها.







