ما الذي يريده المواطن الأردني من الدولة في ظل الذكاء الاصطناعي؟
قال الكاتب الدكتور إبراهيم غرايبة إن التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم تفرض إعادة النظر في طبيعة عمل المؤسسات العامة، وفي شكل العلاقة التي تربط الحكومات، والسلطات التشريعية، والقضائية، بالمواطنين، معتبرًا أن التحول الرقمي بات عاملًا يعيد تشكيل مفهوم الحكم والإدارة العامة ذاتهما.
وأوضح في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أن الأدبيات العربية تميل إلى استخدام مصطلح "الإدارة العامة" بدلًا من مفاهيم الحكم، والحاكمية، والحوكمة، لافتًا إلى أن الاستخدام الثقافي والسياسي لمفهوم "الحكم" في السياق العربي اكتسب دلالات سياسية ودينية مختلفة، رغم أن المفهوم في استخداماته التاريخية والحديثة يتسع ليشمل منظومة أوسع من العلاقات بين السلطات والمجتمع، بما فيها القضاء.
وقدّم الغرايبة منظورًا لاستقراء التحديات التي تفرضها التحولات المجتمعية والرقمية على أنماط الحكم والإدارة، مشيرًا إلى أن العالم الرقمي يعيد صياغة أدوار كانت مستقرة عبر قرون، ويفتح الباب أمام تصورات جديدة لشكل الحكومات المستقبلية، في ضوء تغير طبيعة العلاقة بين المؤسسات والمواطنين، وظهور مصالح وقيم وأفكار وأدوار جديدة.
ولفت إلى أن هناك 4 نماذج متوقعة للحكومات المستقبلية، تشترك في سمات أبرزها لامركزية السلطة، وصعود المجتمعات ذاتية التنظيم، واتساع الدور العام للشركات وتأثيرها في الحكم والسياسة، وتعزيز مستويات التعاون بين الحكومات والمواطنين والقطاع الاقتصادي والأسواق، في انعكاس مباشر لإعادة توزيع القوة والتأثير بين الأفراد والشركات ومنظمات المجتمع المدني والسلطات السياسية والتشريعية والقضائية.
ونوّه الغرايبة إلى أن الحكومات ومؤسسات الإدارة العامة ستظل قائمة بحكم استمرار الاحتياجات والأدوار التقليدية التي نشأت من أجلها، إلا أن طريقة تنظيم هذه الاحتياجات وإدارة العلاقات المرتبطة بها آخذة في التحول، بفعل التطور الطبيعي والتكنولوجي الذي قد يصل، في بعض مراحله، إلى مستوى الطفرة التي تعيد تشكيل قواعد العمل ذاتها.
وفي هذا السياق، أشار إلى أن الانتقال من الحكومة الإلكترونية إلى أنماط أكثر تقدماً من الحكم الإلكتروني يفتح مساحات جديدة للعلاقة بين السلطات والمواطنين، محذرًا من أن تجاهل المسار التكنولوجي والصناعي العالمي لن يؤدي إلى حماية المجتمعات من سلبياته، بقدر ما قد يقود إلى العزلة والتأخر عن التحولات التي تعيد تشكيل العالم.
واعتبر الغرايبة أن التكنولوجيا أصبحت أحد أقوى محركات التغيير في حياة الأمم والمصالح والطبقات، وأن تأثيرها يمتد إلى إعادة بناء المنظومات القانونية، والأخلاقية، والسياسية، والاجتماعية، بما يفرض إطلاق الطاقات الإبداعية وتعزيز التعاون والحوار بين مكونات المجتمع، بالتوازي مع الحفاظ على أعلى مستويات الثقة بين المؤسسات والمواطنين.
وحذّر من أن فقدان هذه الثقة قد يقود إلى إضعاف التماسك الاجتماعي واستنزاف الموارد والطاقات والوقت في صراعات وتسويات كان يمكن تجنبها لو جرى الاستثمار مسبقاً في بناء الثقة وترسيخها.
ووضع الغرايبة سؤالًا في صميم تصور الدولة ومؤسساتها، وهو: ماذا يريد المواطنون وماذا يحتاجون؟، معتبرًا أن هذا السؤال ينبغي أن يشكل نقطة الانطلاق في تصميم السياسات والبرامج والخدمات، وأن التكنولوجيا الرقمية أتاحت أدوات أكثر شمولًا للاستماع إلى المواطنين وبناء تصورات تستند إلى البيانات والمعرفة، بما يعزز شرعية الخطط والمؤسسات ويرفع جودة مخرجاتها.
وشدد على أن المعرفة الرقمية باتت، في أهميتها، تضاهي القراءة والكتابة، إلى جانب ضرورة تعزيز التفكير الإبداعي والنقدي، ورفع مستوى المسؤولية الاجتماعية للقطاع الخاص، خصوصًا مع اتساع دوره الاقتصادي وتأثيره المتنامي في الحياة العامة.
وخلص الغرايبة إلى أن التحدي الأساسي يتمثل في إعادة تعريف وظيفة الدولة في عصر الشبكات والذكاء الاصطناعي، موضحًا أن الحكومة المستقبلية ستكون أقل اعتمادًا على البيروقراطية الهرمية وأكثر اعتمادًا على البيانات والشراكات والمشاركة المجتمعية.
وذكر أن التحول التكنولوجي لا يعني تراجع مسؤولية الدولة أو تفويض وظائفها الأساسية، إذ تبقى الدولة مطالبة بحماية الحقوق، وضمان العدالة، وصون الشرعية الديمقراطية، والحفاظ على أطر المساءلة والرقابة.
ورأى الغرايبة أن نجاح هذا التحول يتوقف على قدرة الحكومات على تحقيق توازن دقيق بين الابتكار التكنولوجي والقيم الديمقراطية، بحيث يُوظف الذكاء الاصطناعي لتعزيز الحكم الرشيد وتحسين القرار العام ورفع كفاءة المؤسسات، لا أن يتحول إلى بديل عن الرقابة الإنسانية أو المساءلة السياسية والقانونية.







