السبايلة: الإقليم أمام إعادة تشكيل عميقة.. والأردن مطالب بإعادة بناء روايته الوطنية
قال الخبير الاستراتيجي، الزميل غير المقيم في معهد ستيمسون للأبحاث في واشنطن، الدكتور عامر السبايلة، إن التحولات الإقليمية تفرض على الأردن الانتقال من مراقبة ما يجري في الخارج إلى إعادة ترتيب الأولويات داخل الدولة الأردنية نفسها، معتبرًا أن الاستقرار يعد مشروعًا سياسيًا، ومجتمعيًا، واقتصاديًا متكاملًا.
وأوضح في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أن الأزمات المتلاحقة تعيد تشكيل وعي الشعوب وتفكيرها، وأن البعد الأيديولوجي الذي حكم جزءًا من النقاشات الإقليمية خلال السنوات الماضية فقد كثيرًا من قدرته على تفسير الواقع الجديد، الأمر الذي يجعل الأردن أمام تحدٍ داخلي يتمثل في إعادة بناء روايته الوطنية وإعادة تعريف هويته الجامعة.
وبيّن السبايلة أن الأردن يحتاج اليوم إلى رواية وطنية جديدة ومشروع وطني واضح يشعر من خلالهما الأردني بأنه ينتمي إلى مكان يتوجب عليه أن يساهم في بنائه، وأن يكون شريكًا في صناعة مستقبله، لا مجرد متلقٍ لتداعيات الأزمات المحيطة.
وأشار إلى أن غياب هذه الرؤية خلال السنوات الأخيرة أفضى، في جانب منه، إلى تشتت البوصلة الوطنية، بحيث أصبح الأردنيون يختلفون حول سوريا والعراق وإيران وسائر ملفات الإقليم، فيما يتراجع النقاش حول الأردن نفسه ومصالحه وأولوياته.
الجغرافيا الأردنية.. فرصة استراتيجية ومصدر تحديات
ونوّه السبايلة إلى أن الاعتقاد بأن الأردن بمنأى عن التحولات الإقليمية بفعل موقعه الجغرافي اعتقاد غير دقيق، موضحًا أن الجغرافيا الأردنية هي في الوقت ذاته عنصر فرصة وعنصر تحدٍ؛ فهي تمنح المملكة موقعًا محوريًا في مسارات الطاقة والنقل والربط الإقليمي، لكنها تضعها أيضًا في تماس مباشر مع ملفات أمنية شديدة الحساسية.
ولفت إلى أن ملفات الجنوب السوري والضفة الغربية والعراق ستبقى من أبرز محددات البيئة الاستراتيجية الأردنية، فضلًا عن استمرار تداعيات الاحتلال الإسرائيلي، مستطردًا أن تطورات هذه الجبهات لا يمكن فصلها عن الأمن الوطني الأردني أو عن مستقبل الاقتصاد والاستقرار في المملكة.
الأردن بحاجة إلى مشروع لا إلى ردود أفعال
وشدد السبايلة على أن التحدي الحقيقي يكمن في امتلاك إطار وطني قادر على استيعاب الأزمات قبل وقوعها وتحويل التحولات الإقليمية من مصادر تهديد إلى فرص لإعادة بناء القوة الوطنية.
وقال إن دولًا خليجية عدة طرحت رؤى مستقبلية واضحة ومشروعات تنموية طويلة المدى، فيما يحتاج الأردن إلى صياغة مسار مشابه يشعر المواطن من خلاله بأنه جزء من مشروع تنموي وطني متكامل، وليس منفصلًا عن عملية صنع المستقبل.
وذكر السبايلة أن المشهد الإقليمي، بعد نحو نصف عام من العمليات العسكرية، دخل مرحلة تتسم بـالفوضى الاستراتيجية وإعادة تموضع مراكز القوة، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة باتت تتحرك في بيئة معقدة أفضت إلى صورة "تسيء إلى الصورة الأميركية المعتادة"، في وقت لم تحقق فيه إسرائيل، وفق تقديره، كامل الأهداف الاستراتيجية التي وضعتها منذ انطلاق المواجهة.
وأوضح في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أن المنطقة لا تزال عالقة في مساحة رمادية بين "لا حرب ولا سلام"، معتبرًا أن الحرب على إيران لا ينبغي اختزالها في إطار مواجهة عسكرية مباشرة مع دولة واحدة، وإنما يتعين قراءتها باعتبارها حلقة ضمن مشروع أميركي أوسع لإعادة هندسة الإقليم، وإعادة توزيع أوزان القوى فيه، وإعادة تعريف وظائف اللاعبين ومساحات نفوذهم.
وبيّن السبايلة أن غزة شكّلت العنوان الأول للمواجهة، غير أن المقاربة الإسرائيلية انطلقت، منذ البداية، من محاولة تفكيك الاستراتيجية الإيرانية القائمة على مفهوم "وحدة الساحات"، الأمر الذي أفضى إلى التعامل مع هذه الساحات بصورة متدرجة، في غزة والضفة الغربية ولبنان وسوريا والعراق واليمن، بما أحدث خلال السنوات الثلاث الماضية تحولات عميقة في البنية السياسية والأمنية والإقليمية لهذه البيئات.
وأشار إلى أن مقاربة إيران لا تستهدف الدولة الإيرانية بوصفها كيانًا جغرافيًا فحسب، وإنما تنصرف بصورة أوسع إلى تفكيك منظومة النفوذ والاستراتيجية الإيرانية المتراكمة على امتداد الإقليم، وهو ما منح المواجهة طابعًا مختلفًا، يقوم على العمل الاستخباري، والاستنزاف المنهجي، وتآكل القدرات، وتقطيع شبكات النفوذ، أكثر مما يقوم على خيار الحرب الشاملة المفتوحة.
ثلاثة محددات تحكم الحرب على إيران
ونوّه السبايلة إلى أن الحرب على إيران قامت، منذ بدايتها، على ثلاثة محددات رئيسية؛ يتمثل أولها في عدم وجود رغبة أميركية أو دولية حاسمة في إسقاط النظام الإيراني، خشية إعادة إنتاج السيناريو العراقي وما قد يترتب عليه من فراغ سياسي وانهيار أمني وفوضى ممتدة.
أما المحدد الثاني، فيرتبط بالحفاظ على البنية التحتية الإيرانية الحيوية، وفي مقدمتها قطاعات الطاقة والنفط، موضحًا أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب ينظر إلى هذه الموارد باعتبارها أصولًا يمكن إعادة توظيفها اقتصاديًا وتجاريًا في مرحلة لاحقة، الأمر الذي يجعل تدميرها بصورة شاملة خيارًا غير مرغوب فيه.
ويتمثل المحدد الثالث في محاولة حصر الضربات ضمن أهداف عسكرية وأمنية محددة، وتجنب الانزلاق إلى استهداف واسع للمدنيين، بما يعكس، وفق تقديره، أن الغاية لا تتمثل في تدمير إيران كدولة، وإنما إعادة تحجيم منظومة القوة العسكرية والأمنية التي تستند إليها طهران داخليًا وإقليميًا.
ورأى السبايلة أن اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي يمكن أن يشكل، ضمن هذه المقاربة، نقطة انتقال نحو مسار أوسع يستهدف دفع التغيير من الداخل، خصوصًا في ظل حديث ترامب منذ بداية المواجهة عن وجود شركاء محتملين داخل إيران وإمكان التوصل إلى تفاهمات مع أطراف إيرانية أكثر براغماتية.
من استهداف القدرات إلى نقل مركز الأزمة نحو الداخل
ولفت إلى أن العمليات العسكرية جاءت ضمن مراحل متراكبة، بدأت بإضعاف حركة حماس، واستهداف قيادات حزب الله، وتوجيه ضربات واسعة في سوريا، بالتوازي مع التحولات التي طرأت على الساحة السورية، قبل الانتقال إلى حرب الاثني عشر يومًا، وصولًا إلى استهداف قدرات الحرس الثوري الإيراني بصورة مباشرة.
وأضاف أن المرحلة الراهنة تبدو أقرب إلى مرحلة استنزاف استراتيجي ونقل تدريجي لمركز الأزمة من الخارج إلى الداخل الإيراني، موضحًا أن هذا المسار يتخذ مستويات عدة، في مقدمتها الأزمة السياسية، في ظل تباينات داخل بنية الحكم الإيراني بشأن طبيعة القرار، وحدود صلاحيات المؤسسات، والجهة التي تملك حق التفاوض واتخاذ القرارات المصيرية.
أما المستوى الثاني، فيتصل بالأزمة الاقتصادية المتفاقمة تحت وطأة الحصار والقيود المالية والعقوبات، بالتوازي مع عمليات استخبارية تستهدف شبكات الالتفاف على العقوبات، بما في ذلك أسطول الظل، والشركات التي تسهّل التحويلات المالية، وشبكات العملات المشفرة، والأفراد والجهات التي توفر لطهران منافذ بديلة.
وأشار إلى أن عامل الزمن يتحول تدريجيًا إلى أداة ضغط بحد ذاته؛ فكلما طال أمد الأزمة، انكمش هامش المناورة الإيراني، لا سيما مع التغيرات التي تطال بعض البيئات التي شكلت منافذ مهمة لطهران، سواء في أميركا الجنوبية أو أفريقيا، إلى جانب اتساع نطاق العقوبات ليشمل الحدود البرية والشركات والأفراد وشبكات التمويل.
واشنطن تراهن على التغيير من الداخل
وقال السبايلة إن مجموع هذه المعطيات يعزز الاعتقاد بأن الإدارة الأميركية تسعى إلى إعادة إنتاج التغيير من الداخل الإيراني، من خلال تقطيع أدوات القوة الإيرانية، واحتواء شبكات الوكلاء، واستنزاف الموارد، ثم دفع مركز الأزمة إلى الداخل، بدل الاستمرار في حرب مفتوحة مرتفعة الكلفة.
وفي المقابل، أشار إلى وجود تباين في الحسابات بين واشنطن وتل أبيب، موضحًا أن إسرائيل تبدو أكثر ميلًا إلى استمرار العمليات والضغط المتدرج، في ظل حضور واضح للمقاربة الاستخبارية الإسرائيلية في مرحلة العقوبات وما بعدها.
ورجّح أن تشهد المرحلة المقبلة تحركًا أمنيًا أكثر وضوحًا على الأرض، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية وحاجة حكومة بنيامين نتنياهو إلى إنتاج إنجازات يمكن تسويقها داخليًا، معتبرًا أن التعثر في تحقيق نتائج حاسمة قد يدفع باتجاه توسيع أدوات الضغط ورفع منسوب التصعيد.
نموذج عراقي... ولكن بوتيرة أسرع
وشبّه السبايلة المسار الجاري تجاه إيران بالنموذج العراقي الذي بدأ بحرب عام 1991، ثم انتقل إلى سنوات من العقوبات والإضعاف والتفكيك التدريجي وصولًا إلى عام 2003، غير أن النموذج الراهن، بحسب تقديره، يتحرك بوتيرة أسرع وبأدوات أكثر تكاملًا وترابطًا.
وأوضح أن المسار يقوم على إضعاف القدرات العسكرية، وإنتاج اختلالات داخلية، وتشديد الخناق الاقتصادي والعزلة المالية، وصولًا إلى تضييق المجال الدبلوماسي ومنع المؤسسات والشركات والأفراد من التعامل مع إيران.
وخلص إلى أن الحكم على المسار الأميركي باعتباره نجاحًا أو إخفاقًا يبقى رهينًا بتحديد الغاية النهائية منه؛ فإذا كان الهدف إسقاط النظام الإيراني بصورة سريعة، فإن النتائج الراهنة لا تشير إلى نجاح حاسم، أما إذا كان الهدف إعادة إنهاك النظام، وتغيير توازناته الداخلية، وتقليص قدراته الإقليمية، وإعادة تشكيل بنيته من الداخل، من دون إنتاج نموذج أفغانستان أو الصومال على ضفاف الخليج، فإن أدوات الضغط الحالية تبدو أقرب إلى مسار طويل الأمد لم يستنفد بعد كامل مراحله.







