هل وصل المشروع الوطني الفلسطيني إلى طريق مسدود؟
قال الكاتب والباحث في الصحافة العبرية الدكتور حيدر البستنجي إن المشروع الوطني الفلسطيني يواجه تحديًا وجوديًا يعيد إلى الواجهة الأسئلة الأكثر إيلامًا بشأن مصير "حل الدولتين"، وقدرته على احتواء التشتت الفلسطيني وإعادة بناء مظلة وطنية جامعة، في ظل واقع جغرافي وديموغرافي بالغ التعقيد، بات معه مشروع الدولة المستقلة، وفق توصيفه، أشبه بـ"قطار ابتعد كثيرًا عن محطة الوصول وفي الاتجاه الخاطئ".
وأوضح في تصريحٍ خاص لصحيفة "أخبار الأردن" الإلكترونية أن الرهان التاريخي على قيام الدولة الفلسطينية لم يكن محصورًا في تأسيس كيان سياسي مستقل، وإنما انطوى على وظيفة أعمق تتمثل في توفير المظلة السياسية والتمثيلية القادرة على إعادة تجميع "قطع الليجو" الفلسطيني؛ أي إعادة وصل الفلسطينيين الذين توزعوا بين الداخل والشتات، وتباينت ظروفهم المعيشية وأولوياتهم ومساراتهم بفعل الجغرافيا واللجوء وتعاقب التحولات السياسية.
وبيّن البستنجي أن أحدث بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني تظهر أن عدد الفلسطينيين حول العالم يبلغ نحو 15.5 مليون نسمة، بينهم قرابة 7.4 مليون داخل فلسطين التاريخية، موزعين بين نحو 3.43 مليون في الضفة الغربية، و2.13 مليون في قطاع غزة، ونحو 1.86 مليون داخل أراضي عام 1948، مقابل نحو 8.1 مليون فلسطيني في الشتات، منهم قرابة 6.82 مليون في الدول العربية ونحو 1.26 مليون في الدول الأجنبية.
ولفت إلى أن هذه الخريطة الديموغرافية تكشف عمق التشظي الذي أصاب الهوية الوطنية الفلسطينية، إذ تتجاور مخيمات اللجوء في لبنان وسوريا والأردن مع تجمعات فلسطينية مستقرة وميسورة في الخليج وأميركا اللاتينية وغيرها، فيما نشأت لكل بيئة فلسطينية، بفعل اختلاف الجغرافيا والظروف الاقتصادية والسياسية، أولويات ومسارات حياة متباينة، في انتظار إطار وطني جامع لم تستكمل ملامحه المؤسسية.
وفي قراءة لمسارات النضال الفلسطيني، أشار البستنجي إلى وجود تباين واضح بين المفكرين والسياسيين بشأن الأدوات الأكثر فاعلية، موضحًا أن تيارًا واسعًا ينظر إلى "انتفاضة الحجارة" عام 1987 بوصفها نموذجًا نضاليًا سلميًا امتلك تفوقًا أخلاقيًا وسياسيًا، وأسهم في فتح أبواب الاعتراف الدولي وتحقيق مكاسب سياسية عجزت المواجهات العسكرية المباشرة عن تحقيقها في ظل اختلال موازين القوة.
في المقابل، يعتقد تيار آخر، وفق البستنجي، أن انسداد المسار السياسي واستمرار التوسع الاستيطاني يعيدان إنتاج خيار المواجهة المسلحة باعتباره أداة اضطرارية للحيلولة دون تصفية القضية، لافتًا إلى أن جوهر المعضلة لا يكمن في المفاضلة بين أدوات النضال بقدر ما يرتبط بغياب مرجعية وطنية موحدة قادرة على استيعاب طاقات الفلسطينيين في الداخل والشتات ضمن استراتيجية واحدة.
ولفت إلى أن الانقسام الفصائلي وتعدد المرجعيات، بالتوازي مع استمرار تآكل مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، أضعفا القدرة على إنتاج استراتيجية صمود طويلة الأمد تجمع بين مرونة العمل الدبلوماسي وصلابة الموقف السياسي والميداني، وتحول دون تحويل التضحيات المتراكمة إلى مشروع وطني قابل للاستمرار.
وحذّر البستنجي من أن تراجع "المهمة الأسمى" المتمثلة في التحرر وبناء الدولة يضع القضية الفلسطينية أمام مرحلة شديدة الحساسية، في ظل انسداد سياسي وتحديات إقليمية ودولية متشابكة، معتبرًا أن استمرار الوضع القائم من دون مراجعة عميقة قد يفاقم حالة التشتت ويزيد الفجوة بين مكونات الشعب الفلسطيني.
وخلص إلى أن استعادة لحمة الشعب الفلسطيني وإعادة بناء هويته الوطنية تتطلبان، قبل أي شيء، وقفة صارمة أمام الذات تتجاوز الحسابات الفصائلية والانقسامات الداخلية، وتعيد بناء المرجعية الوطنية على أسس أكثر اتساعًا وتمثيلًا، بالتوازي مع صياغة مشروع سياسي جديد يستوعب التحولات المتسارعة ويعيد تعريف أدوات النضال وأولوياته، قبل أن تضيق نافذة الأمل أكثر أمام مشروع الدولة الفلسطينية.






